لم يمت القعقاع لأنه أحب الموت.
ولم يسقط لأنه كان يبحث عن نهاية مأساوية تثير دهشة الناس.
بل مات وهو يفعل الشيء نفسه الذي كان يفعله كل يوم: يحاول أن يعيش.
كان يمشي على حافة الفوهة البركانية كما يمشي غيره في الطرقات والأسواق ومواقع العمل. الفرق الوحيد أن خطره كان ظاهراً للعيان، بينما أخطار الآخرين تختبئ خلف الجدران والأرقام والظروف القاسية.
بين كل تصفيقة كانت تُسمع، كان هناك قلب يخفق بالخوف، وأسرة تنتظر عودته، وحلم بسيط بأن يعود إلى منزله وقد كسب ما يسد به حاجة يوم جديد.
لكن القدر كان أسرع.
سقط القعقاع في اللحظة التي اعتاد الناس أن يروا فيها نجاته، وكأن الحياة أرادت أن تذكرنا جميعاً بأن الخط الفاصل بين المهارة والخطر، وبين الجرأة والهلاك، قد يكون أحياناً أرق من خيطٍ لا يُرى.
كان الناس يرفعون هواتفهم لالتقاط المشهد، وتحبس القلوب أنفاسها مع كل قفزة، ويعلو التصفيق كلما انتصر على الخطر مرة أخرى.
لكن أحداً لم يكن يسمع الصوت الآخر...
صوت الحاجة.
صوت الفقر.
صوت الشاب الذي يريد أن يعود إلى بيته بشيء يسند به أسرته في زمنٍ صار فيه الخبز نفسه مغامرة.
كان القعقاع يرقص كل يوم مع الموت، لأن الحياة ضاقت عليه حتى لم تترك له سوى هذا المسرح المعلق بين السماء والهاوية.
وكم هو مؤلم أن يصف البعض ما حدث بالتهور فقط.
فالتهور أن تملك الخيارات كلها وتختار الخطر.
أما حين يغيب الأمان، وتغيب الفرص، وتضيق السبل، فإن الحكاية تصبح أكثر تعقيداً من كلمة عابرة يكتبها الناس خلف شاشاتهم الدافئة.
القعقاع لم يكن شاباً يؤدي حركات بهلوانية فحسب.
لكنه بات سؤالاً كبيراً موجهاً إلى المجتمع كله:
كم موهبة دفعتها الحاجة إلى حافة الهلاك؟
وكم عبقرياً دفنه الفقر قبل أن يكتشفه أحد؟
وكم شاباً يمتلك من الشجاعة والقدرة ما يكفي لصناعة النجاح، لكنه لا يجد يداً تمتد إليه قبل أن تمتد إليه الهاوية؟
ولعل المأساة الأكبر من سقوط القعقاع، أن كثيراً من أصحاب المواهب الاستثنائية في أوطاننا يُتركون وحدهم في مواجهة مصائرهم.
إن أخطر ما في الحكاية ليس سقوط القعقاع، بل سقوط الفكرة التي كان ينبغي أن تسبقه إليه؛ فكرة الدولة التي ترى الموهبة قبل أن تراها الهاوية، وتلتقط المبدع قبل أن تلتقطه المأساة.
فحين تغيب المؤسسات عن اكتشاف القدرات ورعاية المبدعين واحتضان أصحاب المهارات الفريدة، فإنها لا تفقد أفراداً فحسب، بل تفقد أجمل ما يمكن أن تمتلكه الأمم: الخيال الجميل.
ذلك الخيال الذي يرى في الشاب الموهوب أكثر من مجرد باحث عن لقمة العيش، ويرى في قدراته بذرة بطل، أو رياضي، أو مدرب، أو نموذج ملهم للأجيال القادمة.
رحم الله القعقاع...
ذلك الشاب الذي كان يواجه الموت كل يوم كي يواجه الفقر.
ورحم تلك الأحلام التي سقطت لأنها تُركت وحيدة في مواجهة العاصفة.
أما التصفيق الذي كان يملأ المكان كلما نجا، فقد توقف اليوم.
وبقي السؤال المؤلم يتردد في الهواء:
كم مرة نصفق للمواهب وهي تحترق أمامنا، بينما كان الأجدر بنا أن ننقذها؟