قبل الميلاد بنحو ثلاثة قرون كان هناك “محور ممانعة”، على ما يبدو، وكان قائده هو الإغريقي بيروس الأبيري.
عام 279 ق.م. قرر هذا القائد المغوار شن “حرب إسناد” لجنوب إيطاليا لمواجهة غزو من الإمبراطورية الرومانية المهيمنة في ذلك الحين.
توجه القائد بجنوده وأسلحته بشجاعة، فقاتل حتى فقد أغلب جنوده وقواده واسلحته، حتى الإيطاليين الذين جاء لنصرتهم تخلّوا عنه. لكنه رغم ذلك تمكن من قتل مئات الجنود الرومان، ورغم فشل حملته وفقدان أغلب جيشه إلا أنه أعلن انتصاره المدوي وانسحب هاربًا بما تبقى من جنود.
يُقال إنه بعد المعركة قال لأحد قادته عبارته الشهيرة:
“انتصار آخر كهذا ويُقضى علينا.”
ومن هنا جاء مصطلح “النصر البيروسي”، أي النصر الأسوأ من الهزيمة.
قتل هذا القائد المظفر في حرب إسناد أخرى في بلد غير بلده. لكن يبدو أن الرجل لم يكن يتخيّل أن يأتي يومٌ يتحول فيه فشله إلى برنامج سياسي متكامل، وعقيدة، وأسلوب حياة.
بيروس، المسكين، كان هاويًا. الرجل خسر آلافاً من الجنود فشعر بالكارثة. أما عباقرة عصرنا فقد طوّروا النظرية:
يمكنك أن تخسر مئات الالاف من الارواح، والاقتصاد، والكهرباء، والمرافئ، والمطارات، والكرامة، والماضي والمستقبل، ثم تخرج لتقول بثقة:
“لقد انتصرنا لأن العدو لم يحقق كل أهدافه!”
تعب الناس عندنا من الانتصارات أكثر من الهزائم.
لكن هناك تطورًا مهمًا.. زمن الانتصارات القاتلة يوشك على النهاية.
حماس توقفت عن إعلان الانتصارات منذ أكثر من عام، شبعوا من الانتصارات بعد تدمير غزة بالشراكة مع الهمجية الإسرائيلية، ولم يعد في الإمكان متسع لنصر إضافي.
حزب الله يخوض انتصاره الأخير، انتصار كربلائي انتحاري أراد أن يجر لبنان كله معه، لكنه لم ينجح. إن هزيمة الكفيل الإيراني هي نقطة نهايته المحتومة، وقد قرر أن يكتب سطور نهايته بنفسه.
أما الأم الرؤوم للانتصارات القاتلة، إيران، فهي تعيش لحظات انتصارها الأخير الذي سينتهي مع توقيع الاتفاق الأمريكي والاكتفاء بهذا النصر، والذي حوّلها إلى سماء مستباحة، وأرض محروقة، وبحر محاصر، وشعب على حافة الثورة الوشيكة.
الحوثية قبلهم ودّعت زمن الانتصارات ونأت بنفسها عن المعركة. لقد انتصروا كثيرًا وفقدوا رؤوسهم وقادتهم. لم يعودوا يرغبون في انتصارات إضافية ضد أمريكا. انتصارهم الدموي على المواطن اليمني يكفي ويزيد.
نعم.. “عصر الانتصارات التي ستقضي علينا” انتهى. حتى كهنة النصر الكاذب لم يعودوا يتحملون انتصاراً آخر.