آخر تحديث :الجمعة-08 مايو 2026-09:33م

الانتقالي.. سرعة التعافي واختبار الواقع

الجمعة - 08 مايو 2026 - الساعة 08:57 م

د. أحمد عبداللآه
بقلم: د. أحمد عبداللآه
- ارشيف الكاتب


نجح المجلس الانتقالي بشكل لافت في عبور المرحلة الأكثر حرجاً في تاريخه، باعتباره كياناً وطنياً انتقالياً يحمل قضية الجنوب، وليس حزب سلطة شمولي ينكمش فور انهيارها، كما أنه لا ينتمي إلى تنظيمات حركية مؤدلجة تتمدد وتتلاشى وفقاً للظروف والمتغيرات السائدة.


ورغم حداثة نشأته وخبرته السياسية والمؤسسية، ورغم أحداث يناير وما أعقبها من إجراءات وضغوط عسكرية وسياسية وإدارية وإعلامية هدفت بدرجة كبيرة إلى استئصاله، وإضعاف حضوره الشعبي والسياسي…. إلا أنه خرج أكثر تماسكاً، ليؤكد أنه يمتلك قاعدة جماهيرية صلبة هي الأوسع والأكبر على الإطلاق، وقد بدا أكثر قوة شعبياً خارج السلطة مما كان عليه شريكاً فيها.


ذلك يؤشر إلى حقيقة بالغة الأهمية مفادها بأن الساحة الجنوبية، بعد تجارب مريرة، لم تعد بيئة مهيأة لفوضى المكونات الصغيرة أو التشكيلات السياسية الظرفية التي تنتجها ماكينة التفريخ السياسي. كما أن بقاء الانتقالي قوياً ومتماسكاً يمثل مصلحة حيوية يدركها خصومه قبل أنصاره. لأن أي فراغ محتمل قد يتحول إلى فرصة كبرى تخدم قوى سياسية تحمل مشاريع متطرفة و تخوض صراعات عابرة للحدود.


ومع ذلك فإن تجاوز مرحلة الخطر لا يعني انتهاء التحديات، وإنما بداية مرحلة شاقة تتطلب مراجعة شاملة وعميقة للتجربة رغم قصر عمرها. فالمطلوب اليوم ليس الاكتفاء بالنجاة السياسية والتعافي السريع، وإنما الانتقال إلى بناء أكثر نضجاً واتساعاً، عبر تصحيح الاختلالات، وإعادة تقييم الأداء، وبناء هياكل تنظيمية ومؤسساتية تعكس الطيف الجنوبي بكل تنوعاته السياسية والاجتماعية والجغرافية.


وقد يتعين على المجلس تعزيز الادارة السياسية الميدانية وتمكينها من التعامل مع مجريات الأحداث بقدر أعلى من المرونة و النضج بما يحقق تأثيراً أعمق في الحياة السياسية و قبولاً أوسع عند المجتمع الجنوبي.


كما أن المرحلة الحالية تختلف جذرياً عن السنوات التي سبقت يناير 2026, فالمشهدان الإقليمي والمحلي تغيرا، والتحالفات كعادتها ليست ثابتة، فيما أصبح المزاج الشعبي أكثر حساسية تجاه الأوضاع السياسية والاقتصادية والمعيشية. ولهذا فإن أي مشروع سياسي لا يستطيع قراءة التحولات والتعاطي معها باقتدار سيجد نفسه معزولاً تدريجياً مهما كانت شعبيته.


ومن هنا تبدو الحاجة ملحة إلى تضييق فجوات الخلاف مع رفاق الأمس، ومد الجسور مع القوى الجنوبية الأخرى، والتعامل بمرونة سياسية أعلى مع المختلفين، لأن استنزاف البيئة الجنوبية بالخلافات، واحياناً بالصراعات البينية لن يخدم سوى القوى التي تراهن على تفكيك الجنوب وإبقائه ساحة مفتوحة للتجاذبات.


ويوازي ذلك ضرورة تطوير الخطاب الإعلامي والسياسي ليصبح أكثر هدوءاً وواقعية واستيعاباً للمتغيرات، وأقل اندفاعاً نحو الاستقطاب الحاد. فالمرحلة الراهنة تحتاج إلى خطاب جامع، وتخطي خطاب الانقسام والتعبئة الدائمة.


كما يتعين الانتقال من منطق ردود الأفعال إلى دراسة الأوضاع الحالية بعمق، وفرز المهام المرحلية وتحديد الأولويات والعمل على تحقيقها وفق خطط واقعية قابلة للتنفيذ. اضافة إلى فتح الأبواب أمام النخب السياسية والأكاديمية والاجتماعية، لاستكمال بناء تكتل جنوبي واسع و جبهة داخلية صلبة، تقوم على الشراكة والتفاهمات الواقعية ولعب الأدوار المتكاملة، بما يعزز القدرة الجماعية على مواجهة التحديات المقبلة، ويحافظ على القضية الجنوبية ضمن إطار أكثر تماسكاً واستقراراً على طريق تحقيق تطلعات أبناء الجنوب.

احمـــــــــــدع