أعترف، ومن دون مواربة، بأنني لم أجد في تاريخ الأزمات العربية ما هو أخطر من ترك "المنابر" نهباً للريح، أو تسليمها لأصوات لا تعرف من الدين إلا صراخه، ومن السياسة إلا تحريضها. إن ما يحدث اليوم في اليمن، وتحديداً في تلك البقاع التي يسيطر عليها الوهم الانقلابي، يتجاوز مجرد الصراع على سلطة، ليصل إلى صراع على "هوية" جيل بأكمله. إن صون المنابر من الخطابات التحريضية ليس ترفاً فكرياً أو خياراً إدارياً،
بل هو ضرورة قصوى لحماية النسيج الاجتماعي الذي يمزقه الحوثيون بدم بارد. نحن بحاجة اليوم، قبل غد، إلى تفعيل الدور الميداني للوعاظ والعلماء، لا ليلقوا خطباً رنانة من فوق أبراج عاجية، بل لينزلوا إلى أوساط الشباب، ليحاوروا العقول لا العواطف، ويقدموا خطاباً علمياً رزيناً يفند الشبهات الفكرية التي تُبث في عقول الناشئة، ويعيد ترميم قيم الاعتدال والانتماء الوطني التي يحاول البعض مسحها من الذاكرة اليمنية.
ولا يمكن لأي مراقب منصف أن يغمض عينيه عن تلك "المراكز الصيفية" التي تقيمها المليشيات الحوثية الإرهابية برعاية إيرانية مكشوفة؛ فهي ليست محاضن للتعليم، بل هي معامل لتفريخ الكراهية ومراكز لغسل الأدمغة. إن هؤلاء الأطفال الذين يُساقون إلى تلك المراكز لا يتعلمون حرفاً ينفعهم في مستقبلهم، بل يُحقنون ببرامج عقائدية منحرفة تجرف هويتهم الوطنية والدينية، وتحولهم من مشاريع بناء لمستقبل اليمن إلى وقود لحروب عبثية تخدم أجندة طهران التخريبية.
إن التحذير من هذه المراكز يجب أن يرافقه بديل حقيقي، فلا يكفي أن نلعن الظلام، بل يجب أن نضيء شمعة "المراكز الصيفية النافعة" والدورات العلمية الرصينة التي تبني الوعي الصحيح وترسخ العقيدة السليمة. إن حماية المجتمع من الانحراف الفكري تبدأ من تأمين عقول الصغار، فاليمن الذي نعرفه، يمن الحضارة والاعتدال، يضيع حين تتحول المدارس والمساجد إلى منصات لتلقين "الملازم" المنحرفة عوضاً عن روح التسامح والانتماء للأرض. اليمنيون في الداخل ينتظرون يداً تمتد لتنقذ أطفالهم من هذا التجريف الممنهج، والمسؤولية تقع على عاتق كل من يملك صوتاً أو قلماً أو قراراً، قبل أن يستيقظ العالم على جيل لا يعرف من وطنه إلا اسم جماعة، ومن دينه إلا صرخة الموت.