لم يعد المشهد كما كان. فإيقاف اتفاق ستوكهولم لم يكن إجراءً شكليًا، ولا تفصيلًا عابرًا في مسار الحرب، بل تحوّلًا نوعيًا أعاد ترتيب موازين القوة، وفتح صفحة جديدة عنوانها الوضوح بعد سنوات من الضبابية.
كان ستوكهولم محطة جمّدت الصراع أكثر مما حلّته، وأوقفت الحسم دون أن توقف الحرب. ومع انتهائه، تتغيّر القواعد، وتتبدّل الحسابات، ويجد الحوثي نفسه، لأول مرة، خارج مظلة سياسية كانت توفّر له الوقت والحماية والموارد.
المعطيات على الأرض لم تعد قابلة للتأويل. فخلال الفترة الماضية، تكشّفت حدود المشروع الحوثي، وتآكلت قدرته على المناورة، وتراجعت أوراق الضغط التي كان يلوّح بها. لم يعد الخطاب كافيًا لتغطية العجز، ولا الشعارات قادرة على إخفاء الواقع.
ما بعد ستوكهولم يعني أن الحديدة لم تعد منطقة معلّقة، وأن الموارد لم تعد خارج السؤال، وأن الدولة – إن أحسنت إدارة اللحظة – باتت أقرب إلى فرض منطقها، لا من موقع المغالبة، بل من موقع استعادة الحق.
التحولات الإقليمية والدولية، وضيق هامش المناورة، وتغيّر المزاج العام، كلها مؤشرات تصب في اتجاه واحد: أن زمن إدارة الأزمة يقترب من نهايته، وأن لحظة الحل باتت مشروطة بتفكيك أدوات الحرب، لا بتجميدها.
لا يعني هذا أن الطريق بات سهلًا، ولا أن التحديات قد انتهت، لكنه يعني بوضوح أن الحوثي لم يعد يملك ترف الوقت. فكل يوم يمر بعد ستوكهولم يضيف عليه عبئًا جديدًا، سياسيًا واقتصاديًا وشعبيًا.
اليمنيون لا يبحثون عن انتصار إعلامي، بل عن نهاية منطقية لحرب طويلة. وإيقاف ستوكهولم، في جوهره، رسالة بأن المراحل المؤقتة لا تصنع سلامًا، وأن الحل الحقيقي يبدأ عندما تعود الدولة إلى واجهة القرار.
ما بعد ستوكهولم ليس كما قبله؛ وهذه المرة، الوقائع تتحدث بهدوء، لكن بثبات.