لم تعد تعز تُذبح فقط برصاص الحوثي وحصاره وقذائفه، بل بسكاكين أبنائها أنفسهم. الحرب الطويلة أكلت الأخضر واليابس، لكن الأخطر من ذلك أنها زرعت في الناس توحشًا وجنوحًا للفوضى والعشوائية والتمرد بشكل مرعب، حتى صار النظام والقانون نكتة ثقيلة يتندر بها الجميع، حتى بات أبناؤها ونافذوها وتجارها اليوم شركاء في ذبحها.
الحكومة – بكل عجزها وضعفها – تحاول أن تُحسّن الأوضاع المزرية كسعر العملة، أن توقف انهيار السوق، وأن توفر قليلًا من الأمل، لكن من يقف في وجهها؟ إنهم ناس تعز انفسهم، أصحاب الأفران الذين يرفضون الالتزام بالأسعار الجديدة ويضاعفون ثمن الرغيف بلا مسؤولية. إنهم التجار الذين لا يشبعون، يرفعون الأسعار كل يوم بحجج واهية. إنهم تجار الغاز الذين يحولون حياة الناس إلى جحيم، ويبيعون الأسطوانة في السوق السوداء وكأنها سلعة نادرة من الذهب.
ثم يأتي النافذون، وأمراء الجبايات، أولئك الذين يبتزون التجار والمواطنين على حد سواء، يفرضون الإتاوات وكأنهم دولة داخل الدولة، ينهشون جسد تعز وهي تنزف بلا توقف.
وبالتالي فالنتيجة الطبيعية، تعز تموت كل يوم، لا بصواريخ الحوثي فحسب، بل بسكاكين أبنائها الذين يرفضون أي إصلاح، ويصرون على إبقاء المدينة رهينة للفوضى والجوع والدمار.
نحن أمام حقيقة مُرّة، وهي أن تعز لن ينقذها لا الأمم المتحدة، ولا الحكومة، ولا المساعدات الخارجية، ما لم يتوقف أبناؤها ونافذوها عن خيانة مدينتهم، ويتكاتفون لمصلحة مدينتهم. فالفوضى التي نعيشها اليوم ليست "قدراً" نزل من السماء، بل خيار يصر عليه المتربحون من الحرب.
إن معركة تعز اليوم ليست فقط مع الحوثي، بل مع الجشع والفساد والفوضى والأوضاع المدمرة. ومن يرفض تحسن الأوضاع هو شريك مباشر في قتل هذه المدينة.
تعز لن تتحسن ما لم نطرد تجار الأزمات، ونكسر شوكة النافذين، ونحاسب كل من يحاول تحويل حياة الناس إلى سوق سوداء.
أما أن نظل نرفض النظام، ونبرر الفوضى، ونلعن الآخرين بينما نذبح مدينتنا بأيدينا، فهذه جريمة لا تُغتفر.
تعز تُقتل اليوم، ومن يقتلها هم أبناؤها قبل أعدائها.