آخر تحديث :الخميس-18 يوليه 2024-04:56ص

من وحي ندوة التقليد والحداثة في صالون تفكير

الأربعاء - 12 يونيو 2024 - الساعة 10:16 م

د. قاسم المحبشي
بقلم: د. قاسم المحبشي
- ارشيف الكاتب


البارحة كنا في صالون تفكير، ندوة مهمة عن التقليد والحداثة وكيف تطورت نظرة النخب المصرية لشروط النهضة الحديثة ( دراسة حالة لليسار الوطني  والتراثيون الجدد منذ هزيمة يونيو ١٩٦٧ حتى اليوم ). قدمها الأستاذ الدكتور فؤاد السعيد، مفكر مصري عاش التجربة بذاته. حرصت على حضورها بدافعين؛ الأول أهمية وحيوية موضوعها ولطالما وقد شغلني التفكير فيه منذ سنوات مضت وحينما تفكر مصر بمسألة التقليد والحداثة فهذا يعني أن الموضوع يهم كل عربي بحكم دورها المحوري في العالم العربي. وثانيا احتراما وتقديرا لصالون تفكير وادارته الرشيدة بقيادة المثقف المحترم  جمال بن عمر، كانت ندوة رائعة ادارها بكفاءة واقتدار عضو الصالون الفعال دكتور محمد عوض.
والسؤال هو ما العلاقة بين التحديث والحداثة؟ وايهما أسبق عن الأخر؟ هل الحداثة هي نتيجة من نتائج التحديث أم العكس؟ وما علاقة الحداثة بالنهضة؟ وكيف فهمت النخب الفكرية المصرية الحداثة؟ وكيف سارت العملية التحديثية في البلاد العربية منذ دخول نابليون مصر في 1 يوليو 1798م؟ وكيف تحدث العالم كله من حولنا غربا وشرقا وشمالا وجنوبا ونحن ما زلنا نعيش الحالة ذاتها التي ظهرت وتقدست منذ القرن السابع الميلادي! والحركة الحوثية التي تدعي
الحق الإلهي في اليمن الراهن هي شاهد حال ومآل؟ إذ اعادت خطاب الخلافة الولاية الهاشمية واحفاد بني هاشم والبطتين والخمس واشياء كثيرة اخرى آخذت تعيد إحياءها الآن في صنعاء بعد أكثر من ستين عاما على ميلاد الجمهورية بفضل ثورة 26 سبتمبر 1962م بدعم الجيش المصري السخي؟
استمعت إلى الاستاذ المحاضر باهتمام
وفهمت فحوى الفكرى التي اراد ايصالها
وطلبت الكلمة للتداخل من وحي قرأتي السابقة في تلك الإشكالية . كتب كتب الباحث الفرنسي (فرانك مرمييه) دراسة بعنوان (اليمن: موروث تاريخي مجزّأ) ما يلي: " كان للقطيعة مع النظام القديم والناتجة عن قيام نظام جمهوري في الشمال وفي الجنوب نتائج مختلفة على البنية الاجتماعية والسياسية حتى من حيث الطبيعة المتناقضة للدولتين اليمنيتين... وبدا أن النظام الاشتراكي في الجنوب قد (حل) المشكلة القبلية ونجح في خلق دولة حديثة ومواطنة حقيقية متحررة من التعصب العشائري. وهكذا بدا متناقضاً تناقضاً قوياً مع (دولة) الشمال التي ظلت خاضعة لمشايخ القبائل الزيدية ... وتناقضت السيطرة على سكان الجنوب، وفقاً لنموذج بلدان الكتلة السوفيتية السابقة، تناقضاً قوياً مع الاستقلال الذاتي لرجال القبائل في الشمال ... ولم يؤد إنشاء جيش وطني في الشمال إلى وجود قوة معادلة لقوة المؤسسة القبلية لأن رجال القبائل والمشايخ اخترقوا الجيش نفسه..." ويضيف قائلاً: "تبدو الجمهورية اليمنية اليوم على المستوى السياسي استمراراً للجمهورية العربية اليمنية أكثر منها محاولة أصيلة لدمج نظامي صنعاء وعدن وقد شبهت هذه السيطرة للسلطة الشمالية على جميع مناطق البلاد بـ(الاستعمار الداخلي) ينظر كتاب اليمن المعاصر ترجمة علي محمد زيد ص15"

وهذا الوضع المفارق هو الذي جعل المفكر الإنجليزي بول دريش يعبر عن دهشته واستغرابه في كتابة (الأئمة والقبائل: كتابة وتمثيل التاريخ في اليمن الأعلى) بقوله أن منطق التطور التاريخي والعلم الاجتماعي أثبت بأن القبيلة هي حلقة أدنى في سلم التطور وهذا لا ينطبق على اليمن .. فإذا كانت القبائل تنتهي بطريقة ما إلى دولة، فإن الدولة غالباً ما تتحول هنا إلى قبائل وقد تتعايشان معاً على مدى مراحل طويلة ... ومن المثير للدهشة في المعايير الإقليمية أن الرئيس (يقصد صالح) قد ذهب إلى حد التصريح أن اليمن بلد قبلي .. وفي جواب الرئيس على السؤال إلى أي حد قد نجحت اليمن في الانتقال من مرحلة القبيلة إلى مرحلة الدولة؟ (أجاب الرئيس بحزم) الدولة جزء لا يتجزأ من القبائل. وشعبنا اليمني هو مجموعة من القبائل فمدننا والريف كلها قبائل وكل أجهزة الدولة الرسمية والشعبية هي مشكلة من القبائل) ينظر كتاب اليمن كما يراه الآخر ص250.

ويختم درويش كتابه المهم بالقول (إن الأفراد الذين يتكون منهم الشعب يشكلون بطريقة ما، جمهوراً لم يكن ولن يكون بمقدور القبائل تشكيله)ص 250.
هذا معناه أن اليمن الشمالية أخفقت في تحويل فكرة (الجمهورية) إلى مؤسسة سياسية تسمى (دولة) الشعب الجمهور المواطنون، وهو شكل من أشكال الائتلاف الاجتماعي السياسي لا يمكن أن يوجد بدون دولة جامعة، وهذا هو ما أصاب (ثورة الشباب) اليمنية في صميمها لأنها تألفت من جمهور غير متجانس( ينظر، بول دريش، الدولة والقبائل في تاريخ اليمن الحديث ، ترجمة على محمد زيد)
وفي سياق مداخلتي اشرت إلى وجهة نظر فيلسوف التاريخ البريطاني آرنولد توينبي في موقف العرب من تحدي الحضارة الغربية اليكم الفكرة.

آرنولد توينبي في وصف استجابة العرب لصدمة الحداثة الغربية

يرى توينبي أن كل مجتمع يجد نفسه بإزاء تحدٍ خطير مثل هذا (يقصد المجتمع العربي وتحدي الحداثة الغربية) يسلك طريقين للرد على التحدي، ويمكننا إيراد أمثلة واضحة على نوعي الاستجابة هذين في رد فعل الإسلام إزاء ضغط الغرب اليوم في موقف سابق نشأ من صدام الحضارة الهلينية والمجتمع السوري القديم. فتحت تأثير الصدمة الهلينية برزت في المجتمع السوري نزعتان هما: نزعة التزمت (الزيلوتية) ونزعة المسايرة (الهيرودية) ويستخدم توينبي لفظ (الزيلوتية) بمعنى مرادف للسلفية أو التزمتية أو الرجعية، وكذلك يستخدم لفظ الهيرودية والمستقبلية والتشكلية أو (المسايرة) بمعنى واحد، إذ يرى "أن نزعتي التزمت والمسايرة خطتان لا محيص للهيئات السياسية في المجتمعات المعتدى عليها أن تختار إحداهما، إلا في حالات نادرة"
والسلفية أو التزمتية هي محاولة للارتداد إلى إحدى تلك الحالات السعيدة التي يتطلع إليها الناس في عصور الاضطرابات بحسرة بعد أن يضفوا عليها مثالية لا يسوغها التاريخ، وكلما بعد العهد بها اشتد الحنين إليها، وهي شعور بالتفاهة والعجز. "والسلفية موقف متناقض من التاريخ‘ فإذا حاول صاحبها استعادة الماضي دون أن يأخذ الحاضر في حسبانه، فإن من شأن حافز الحياة الذي يتجه بطبعه صوب التقدم أن يحطم بناءه الهش إلى شظايا، وإن ارتضى من الناحية الأخرى إخضاع نزوة خياله المتصلة بإحياء الماضي لإنجاز فعل يجعل من الحاضر شيئاً مفيداً، عندئذٍ تبرهن سلفيته على تدليسها"
والمستقبلية بالمثل هي محاولة للهروب من حاضر كريه وذلك بالقفز إلى مستقبل مجهول لا يعرفه أحد. على أن هذه الحركة جالبة للهلاك أيضاً، فهي تقوم على محاكاة نظم مجتمع آخر وتقاليده الخلقية. وعلى أحسن فرض تكون هذه المحاكاة مسخاً لأصل، لا يبعث على الإعجاب في حين أنها على أسوأ فرض تجي مزيجاً متنافراً من عناصر شتى متنافرة().على هذا النحو يمكن تلخيص الموقف، المتزمت والممتثل، أنهما موقفان ينبثقان من موقف واحد هو رفض الحاضر المأزوم المهزوم، لكن يختلفان فيما عدا ذلك فالمتزمت يتطلع إلى الماضي البعيد رغبة في استعادته، والممتثل يتطلع إلى المستقبل رغبة في تقليده، المستقبلي (صاحب نزعة المسايرة) يخيل إليه أنه يتطلع إلى الأمام، ولكنه في الواقع يتطلع إلى جانبيه، محاولاً أن يكون نسخة طبق الأصل من جيرانه، وإذا كان المتزمتون أشبه بالنعامة تخفي رأسها في الرمال هرباً من صائدها وهي تتصرف على وفق الغريزة، فإن (المتشكلين) وإن تصرفوا على وفق العقل فإنهم يمارسون لعبة خطرة، إنهم على وفق المثل الإنجليزي (كفرسان يحاولون أن يتبادلوا خيولهم في أثناء عبورها المجرى).
ويرى توينبي أن المستقبلية والسلفية على السواء محاولتان للإفلات من سقام قائم بالفعل، ويتأتى تحقيق ذلك الإفلات بطفرة خاطفة، تدفع المرء إلى ناحية أخرى من تيار الزمن، دون التخلي عن جانب الحياة الدنيوية على الأرض. ويتشابه كذلك مجال اختيار هذين القائمين على السعي للفرار من الحاضر مع البقاء في محيط البعد الزمني، في كون كل منهما عملاً فذا تبرهن التجربة على قصوره. ولا تختلف المستقبلية عن السلفية إلا في ناحية الاتجاه أي فوق تيار الزمن أو تحته وفي هذا الاتجاه تدبر النزعتان سبيل الإفلات من مأزق قائم إلا أن المستقبلية تذهب أبعد من السلفية في حملتها ضد الطبائع البشرية، فإن من طبائع البشر الأصيلة الفرار من الحاضر باتخاذ وسيلة الانسحاب إلى ماضٍِ مألوف. لكن الطبيعة البشرية أشد ميلاً إلى التشبث بحاضر مكروه، منها إلى المجازفة في مجاهل المستقبل. ومن ثم نجد الجهد النفساني (الإرادوي) في حالة المستقبلية أقوى على نحو واضح منه في حالة السلفية وغالباً ما تصبح المستقبلية؛ نزعة رد الفعل التالي لتلك النفوس المتحفزة التي سبقت لها تجربة السلفية، فخاب أملها، لكن إخفاق المستقبلية هو أشد من السلفية. ويخلص توينبي إلى تشبيه "نكبة السلفية بفرقعة سيارة تنزلق على مسالكها في دائرة تامة، ثم تندفع صوب دمارها في الجانب المضاد، ويشبه المستقبلية بسيارة تندفع في طريق مجهول تتحطم عند أول منعطف أو هاوية"
تجدر الإشارة إلى أن توينبي قد حاول تطبيق هذه النظرية التأملية الكلية على مختلف الحضارات التي درسها، وجمع شواهد من عدد من المجتمعات الحديثة التي واجهت الموقف مع الغرب، كالصين واليابان وروسيا، أما شواهد النزعتين السلفية (الزيلوتية) المتزمتة، والمستقبلية (الهيرودتية) الممتثلة في المجتمع الإسلامي فيرصدها توينبي على النحو الآتي:
أولاً: الاستجابة السلفية:
التي تتمثل في رأي توينبي في الحركة الوهابية في نجد والحجاز من الجزيرة العربية والسنوسية في ليبيا والمهدية في السودان والأسرة الحميدية الزيدية في اليمن. جميع هذه الحركات ازدهرت في مناطق قاحلة مأهولة بشتيت من السكان، بعيدة عن خطوط المواصلات الدولية الرئيسة في العالم الحديث، وقد بقيت غير جديرة بالاهتمام حتى اكتشاف النفط، تشذ عن هذه القاعدة الحركة المهدية التي سيطرت على السودان الشرقي بين سنة 1883-1898. ومن الطريف الإشارة إلى أن خليفة المهدي (عبد الله) قد بعث برسالة إلى ملكة بريطانيا حينها يطلب منها الاستسلام ودخول الإسلام ويعرض عليها الزواج من أحد أتباعه بعد إعلان إسلامها(). غير أن المهديين السودانيين اصطدموا بقوة غربية هي بريطانيا ما لبثت أن اجتاحتهم بأسلحتها الحديثة.
ويضرب توينبي مثلاً آخر على الموقف (الزيلوتي) الغريزي، الذي يقف موقفاً متناقضاً من الحضارة الغربية الحديثة، مثل الإمام الزيدي يحيى حميد الدين إمام صنعاء الذي كان يعتقد بأنه يمكن أن يكتفي بأخذ التكنيك العسكري الغربي من الحضارة الغربية وتكريس حياته الباقية (لحفظ الشريعة) في شتى المناحي الأخرى، وبذلك يستديم لنفسه ولذريته استحقاق نعمة الله وبركاته، إذ أجاب على محدثه الإنجليزي بعد أن امتدح هذا الأخير الإمام لمظهر جيشه على الطراز الحديث مضيفاً بقوله: "أعتقد أنكم ستتبنون كذلك المؤسسات الغربية الأخرى؟ وأجابه الإمام مبتسماً: لا أعتقد ذلك. وحينما سأله عن السبب قال: إنني أحب أن أكون أنا نفسي الحكومة لأن المجلس النيابي متعب كما أنني لا أسمح بدخول الخمر إلى بلادي"().
ويعلق توينبي على تلك الواقعة بقوله: "إن هذه الكلمات كانت تنفذ إلى صميم القضية وتدل على أن تحدي إمكانية إدخال المستحدثات الغربية الأخرى إلى صنعاء كانت لدى الإمام أكثر أهمية مما شاء أن يعترف به، فالواقع أن تلك الكلمات تدل على أن الإمام، في نظرته إلى الحضارة الغربية إنما كان يراها عبر المدى وحدة لا تتجزأ، وكان يعد بعض مظاهرها جزءاً متصلاً اتصالاً عضوياً بتلك الوحدة الكاملة، بينما لا يرى الغربي في هذه المظاهر نفسها غير أجزاء منفصلة لا علاقة الواحد منها بالآخر، ومن هنا كان الإمام بمجرد اقتباسه أصول التكنيك الحربي عن الغرب يعترف ضمناً بأنه قد أدخل في حياة شعبه الطرف الحاد لإزميل يشطر مع الوقت حضارته الإسلامية التقليدية المحكمة التماسك إلى شطرين اثنين. فقد بدا انقلاب ثقافي لن يترك اليمنيين في النهاية إلا أمام بديل واحد هو "تغطية عريهم بملابس جاهزة من المصنوعات الغربية أي المضي قدماً حتى النهاية في التغريب" وإذا كان من حق توينبي أن يرانا ويتصورنا ويفسر تاريخنا كيف ما يشاء، فمن حقنا بل من الأولى بنا أن نكون على معرفة وإدراك للكيفية التي يرانا بها الآخر الغربي، وأن نتخذ موقفاً نقدياً يتيح لنا أن نميز بين الحق والباطل.
في الواقع أن توينبي الذي ينظر إلينا من أعلى قمة بلغتها الحضارة الغربية البريطانية في زمانه أي من الشرفات العالية لبرج الإمبراطورية المنتصرة، لن يرى في حياة الشعوب غير الغربية إلا مجرد ردود أفعال متزمتة أو ممتثلة على الفعل المركزي الواحد الوحيد، الذي هو الحضارة الغربية، مركز الإشعاع الحضاري والمدني والثقافي في العالم الحديث والمعاصر، وإذا كنا نتفق مع توينبي بشأن تفوق الغرب العلمي والتقني والعسكري، فمن الصعب الاتفاق معه في تفسيره التأملي لحياتنا الحديثة، فالقول أن الحركة الوهابية والسنوسية والمهدية والمتوكلية هي رد فعل متزمت على ضغط الغرب، هو قول ينطوي على كثير من الزيف والتناقض من وجوه عدة أهمها:
1. أخطأ توينبي حين حشر كل تلك الحركات والنظم السياسية في سلة واحدة، معتقداً بأنها ردود أفعال مخفقة على طغيان الغرب الحديث، وهو إذ نظر إليها من بعيد ومن خارجها بدت له متشابهة (كما تبدو في الليل جميع البقر سوداء)، ونحن نعلم أن الحركات الوهابية والسنوسية والمهدية والمتوكلية، لم تكن في حقيقة أمرها إلا استجابات لعوامل وأسباب داخلية أكثر منها خارجية، وأن تفسيرها لا يمكن أن يكون بمعزل عن شروط نشأتها.
2. ويتناقض توينبي حين أكد ظهور تلك الحركات في مناطق قاحلة بعيدة عن مدى التأثير الغربي آنذاك يؤكد في الوقت نفسه أنها استجابة فاشلة للتحدي الغربي.
3. عزل توينبي الصورة الذهنية التي كونها عن تلك الحركات عن السياق التاريخي لنشوئها وتبلورها وازدهارها، فهي لم تظهر كما يعتقد توينبي، أنبثاقاً مفاجئاً لضغط الغرب، بل تمتد بجذورها الراسخة في البنية التاريخية لتطور المجتمعات العربية الإسلامية، التي كانت تمارس حياتها الطبيعية قبل ظهور الحضارة الغربية الحديثة، فالنظام المتوكلي مثلاً كان استمراراً للدولة الزيدية التي نشأت في إيران بين عامي 864-928م، واليمن عام 897 م كما يقول توينبي في كتابه تاريخ البشرية، فهي لم تكن استجابة لضغط الغرب، وكذلك حال الوهابية التي لم تكن في حوافزها ولا في أهدافها المعلنة حصيلة العامل الخارجي، بل جاءت مثلها مثل كل الحركات الدينية الإسلامية القديمة بمثابة رد فعل لتفشي مظاهر الانحلال الديني، وتجديد روح العقيدة الإسلامية، ولا يوجد أي أثر في نشاطها الباكر للضغط الخارجي الغربي الحديث.
4. حين قامت تلك الحركات لم تكن تعي وجود الآخر الغربي من حيث كونه تحدياً يستدعي استجابة واعية، ورسالة المهدي إلى ملكة بريطانيا هي أصدق تعبير عن غياب الوعي الكلي بخطر الآخر والاستعداد لمجابهته.
5. لقد خلط توينبي بين القوى الثلاث للتاريخ، الحضارة المدنية والثقافة، حينما اعتقد بأن أخذ التكنيك العسكري الغربي يستوجب الأخذ بالنظم الحضارية الغربية، من حيث أن التكنولوجيا لا تحدث فقط تحولاً في العالم بل أنها تخلق عالمها المجازي أيضاً، أي أن نقل بعض مظاهر المدنية الغربية لا يتم بمعزل عن نقل السياق الثقافي والحضاري لتلك المدنية، وهذا ما يراه توينبي في حديثه عن إمام صنعاء.

ثانياً: الاستجابة الهيرودية
ابرز من يمثل الموقف (الهيرودي) هو محمد علي باشا الذي عده ماركس (الرجل الوحيد في الشرق الذي أحل رأساً حقيقياً محل عمامة قشيبة) ويرى توينبي أن محمد علي يمثل نزعة التشكل والمسايرة، بمعنى أنه أول من أدرك ضرورة الأخذ بأسباب تفوق الغرب لمجابهته والانتصار عليه. ويورد توينبي مقطعاً من تقرير حول مصر في سنة 1839 وضعه الدكتور (جون باورنغ) للورد (بالمرستون) أوضح كيف أن محمد علي أراد أن يؤدي دوراً مستقلاً في القضايا الدولية، وكان يتوجب عليه من أجل ذلك أن يقوي الجيش المصري والترسانة البحرية بأخذ التكنيك الغربي وإدخال السلاح الحديث، وهذا لا يمكن أن يتحقق إلا باستجلاب الخبراء الفنين من البلدان الغربية، لكن هؤلاء الخبراء يرفضون أن يدخلوا في خدمة مصر إلا بتأمين شروط حياتهم الصحية والخدمية، ومن شروط الرفاهة في نظرهم المعونة الطبية يقدمها لهم أخصائيون غربيون مجربون، وكانت النتيجة المستخلصة أن لا ترسانة حديثة دون مستشفى حديث، وعلى هذا أمر محمد علي ببناء مستشفى متكامل في الترسانة البحرية في الإسكندرية. يقول توينبي: "يشير الدكتور (باورنغ) إلى أمر يبدو لأول وهلة غريباً، وهو أن مستشفى التوليد الوحيد للنساء المسلمات الموجود في مصر كان قائماً داخل ترسانة محمد علي البحرية، وهكذا أنشئ في البدء مستشفى بهيئة من الموظفين الغربيين. وفي ذلك الوقت كانت الجالية الغربية فئة قليلة وكان موظفو المستشفى تتآكلهم تلك الحيوية التي ضرب الله بها الإفرنج (يقصد الحيوية الجنسية) وكان المصريون كثيرين، وحوادث التوليد أكثر القضايا الطبية العادية الممارسة شيوعاً، وهكذا تتوضح الطريقة التي قامت بها في قلب الترسانة البحرية دار لتوليد النساء المصريات نظمها خبراء غربيون"
ويخلص توينبي إلى أن محمد علي الذي حكم بين (1805-1849) يعد الممثل الأبرز لطائفة الهيروديين، المتشكلين بعد الفشل الذي أصاب مشروع السلطان العثماني سليم الثالث، الذي أراد أن يحذو حذو بطرس الأكبر قيصر روسيا الذي أعاد إنتاج أوربا في روسيا. وكان محمد علي كذلك أول من واصل السير في هذا الطريق بنجاح ملموس يعكس ما واجهه سيده ومعاصره في اسطنبول السلطان العثماني محمود الثاني الذي حكم من 1808-1839. لكن ما لم يذكره توينبي هنا، هو تكالب القوى الغربية على محمد علي ومشروعه التحديثي الغربي الذي أجهض. "لقد كانت خطورة قيام دولة فتية وقوية ذات جيش منظم وحديث واقتصاد متين وسلطة دولة شابة قادرة على الإمساك بزمام الأمور خطورة كبيرة بالنسبة إلى الغرب الذي لم ير في الشرق سوى سوق بضائع ومصدر ثروات ومناطق نفوذ. ولهذا ليس غريباً أبداً أن تتفق معظم دول الغرب على إيقاف هذا العقل الجموح ورجل الدولة الداهية الذي يحكم أهم ولاية تؤمن له مركز التوسع وبناء دولة شرقية قوية. فكان أن تجاوزت الدول الغربية خلافاتها بصدد الإمبراطورية التي تحتضر ووضعت حداً لطموحات محمد علي ولكل طموح يمكن أن يستمر لدى خلفائه بحجة إعادة السلم إلى الشرق. وبعد أن أرغم محمد علي على قبول معاهدة لندن التي "قضت بعزل مصر داخل حدودها وتحديد عدد جيشها بـ 18 ألفاً فقط، وفتح أسواق مصر للبضائع الأوربية فقدت مصر كل ما بنته خلال ثلث قرن".
لكن إذا كانت محاولة محمد علي وخلفائه في أن يجعلوا من مصر قطعة من أوربا قد أدت إلى الاحتلال البريطاني لمصر، فإن محاولة تركيا ولاسيما ثورة مصطفى كمال أتاتورك() قد أفضت إلى نتائج مختلفة، إذ يرى توينبي أنه بعد أن قضى (الهيروديون) من ساسة تركيا على الوضع الحميدي بانقلاب بطولي، سارت (الهيرودية) على أيديهم إلى نهايتها المنطقية في ثورة تتضاءل أمام طابعها الراديكالي الثورة اليابانية فبدلاً من أن تنحصر الثورة التركية في ميدان واحد تلو الآخر، كما هو الحال في ثوراتنا الاقتصادية والسياسية والجمالية والدينية المتعاقبة، راحت الثورة التركية تجتاح جميع هذه الميادين دفعة واحدة وتقلب حياة الشعب التركي رأساً على عقب، من أعلى نشاطاتها وتجاربها الاجتماعية إلى قاعها الأدنى، ولم يكتف الأتراك بتغيير دستورهم بل خلعت هذه الجمهورية الفتية حامي الإسلام وألغت خلافته، وأزالت حجاب المرآة ونبذت جميع مقتضياته وأبطلت الوقف الإسلامي، وحلت الزوايا والخانقات وحملت الرجال على الاختلاط بغير المؤمنين (الأجانب) إذ فرضت عليهم مجاراة هؤلاء بلبس القبعات ذات الحواشي التي تمنعهم من ممارسة التقليد الإسلامي القاضي بأن تمس جباه المصلين أرض المسجد، وصفت الشريعة الإسلامية بترجمة القانون المدني السويسري إلى التركية، واقتبست قانون الجزاء الإيطالي واستبدلت الأحرف العربية والتركية بالأحرف اللاتينية. أما التغيير الأعمق والأجرأ الذي أدخله الأتراك على حياتهم فهو الانصراف عن حياة الفلاحة والحرب والإقطاع إلى حياة التجارة والصناعة والرأسمالية لكي يبرهنوا أنهم قادرون على مجاراة الغربيين واليونانيين (المتغربين) والأرمن واليهود، في نشاطات كانت تبدو لهم فيما مضى مستنكفة محتقرة.
ويثني توينبي على محاولة تركيا الحثيثة تقليد الغرب إلى حد أنه يعفو عن أخطائها وجرائمها، ويتمنى لها التوفيق والنجاح في مهمتها الجبارة، وينتقد أولئك المتشككون من النقاد الغربيين الذين مازالوا ينظرون إلى تركيا باستكبار وسخرية في محاولتها تقليد الغرب ومحاكاته كما تفعل القرود، بحيث أصبح التركي بعد أن تم قطعه عن تراثه القديم ولغته كائنا لا هو بالشرقي ولا هو بالغربي، ومع أن تركيا في المجال السياسي حليفة دول الغرب فإن هذه الأخيرة لا تعد تركيا جزءاً من حضارتها، وأصبح التركي يخاطب الأوربي بنبرة مشحونة بالأسى والعتاب من أنجيله (زمرنا لكم فلم ترقصوا نحنا لكن فلم تلطموا)
وكما خلص توينبي في عرضه للاستجابة الإسلامية الأولى السلفية المتزمتة الزيلوتية على حد تعبيره بأنها مخفقة لا محالة، يخلص هنا إلى بيان نقاط الضعف القاتلة التي تكتنف الاستجابة الثانية، الهيرودية التركية وضعفها يكمن في كونها تقلد ولا تبدع، تنسخ ولا تأصل، تحاكي ولا تتمثل، تساير ولا تتجاوز، تمتثل ولا تخلق، كما أنها في قطع صلتها بالماضي تنتج شخصية مسخاً غير محددة الملامح ينتابها حالة من الإحساس بالضياع والاغتراب والقلق والتوتر.ويرى الأستاذ مدني صالح عن حق أن الدعوة إلى ترك الماضي والتخلف لم تكن في حقيقة أمرها إلا قناعاً سايكسبيكوياً للدعوة إلى ترك المنحى الآسيوي العربي التركي القرآني. ولم تكن الدعوة إلى المستقبل والتقدم (الأوربة) إلا قناعاً سايكسبيكوياً للدعوة إلى المنحى الأوربي الإنجليزي الفرنسي التوراتي.
وهذا ما يكشف عنه توينبي بنفسه حينما استعرض احتمالات الصدام بين الإسلام والغرب على مستقبل الحضارة الغربية بقوله: "في استعراضنا موضوع الدراسة، وهو التأثير الذي قد يكون للصدام بين الإسلام والغرب، فإننا نستطيع أن نهمل المتزمتين والممتثلين جميعاً ما دامت استجاباتهم مقصورة على ذلك الحد من النجاح السلبي في مجال البقاء المادي، فالزيلوتي المتزمت يستحيل إلى راسب حضاري متحجر منقرض من حيث طاقته الحيوية، أما الهيرودي الذي ينجو من الغرق فيمسى مقلداً للحضارة الحية التي يندمج فيها. والحق أنه لا الزيلوتي ولا الهيرودي يقدران على أن يشاركا مشاركة خلاقة في نمو الحضارة الغربية الحية"
ويضرب توينبي مثلاً لإخفاق المتزمتين، كإخفاق المماليك حين واجهوا مدافع نابليون الحديثة بالسيف والدرع والرمح فكان الهلاك مصيرهم، إما أخفاق المتشكلين فمن نوع إخفاق مبتدئ في الفروسية في امتطاء جواد جديد إذ يهوي به ويجرفه التيار إلى الهلاك المحتوم، وهكذا جاءت حركة التشكيل مخيبة للآمال، لقد مر عليها أكثر من قرن في مصر، ونصف قرن في تركيا ولكن النتيجة جاءت عقيمة بل مؤسفة في نواح كثيرة في حياة البلدين.
كما أن إخفاق الاستجابتين يعود في جانب منه إلى الصراع بين المتزمتين والمتشكلين، فقد كانت أولى العمليات الحربية التي قام بها محمد علي باشا لتجربة جيشه (الغربي) الحديث مهاجمة الوهابيين في عقر دارهم محاولاً إخماد نارهم واجتثاث شافتهم منذ بدء انطلاقهم. وبالمثل حاولت ثورة المهدي المتزمتة توجيه الضربة القاضية لمشروع الحداثة المصرية، وهذا ما أفضى إلى الاحتلال العسكري للسودان سنة 1882 ويستطرد توينبي في قراءة المشهد العربي الإسلامي في أفغانستان والهند وباكستان وإيران وتركستان وجنوب شرق آسيا (إندونيسيا وماليزيا) وإفريقيا محاولاً البحث عن مخاطر الوجود الإسلامي على الحضارة الغربية، وبعد أن يستطلع كل مقومات البلدان العربية والإسلامية ودور الانتداب البريطاني الفرنسي في الشرق، يرى أنه "على الرغم من النكبات التي حلت بالحضارة الإسلامية لوقوع معظم دولها فريسة الاستعمار في القرن التاسع عشر، ما أن حل النصف الثاني من القرن العشرين حتى كانت الحضارة الإسلامية سليمة الجوهر، وإن سلبت أجزاء من أطرافها، لقد استطاعت أن تنتزع نفسها من الاستعمار البريطاني والفرنسي والهولندي"
ولكن ما هو مصير الحضارة الإسلامية اليوم؟ هل ستنقرض مثل الحضارات المنقرضة؟ هل ستتحجر كبعض الحضارات المتحجرة أم هل سيجرفها تيار الحضارة الغربية الكاسح؟ يجيب توينبي كلا، ويحذر من مغبة الاعتقاد الساذج بخمود الحضارة الإسلامية، وذلك أن مصير الأكثرية من الشعوب الإسلامية المعاصرة لن يكون الفناء ولا التحجر ولا الانصهار، بل سيكون الاندماج عن طريق الانضمام إلى البروليتاريا (الكوزموبوليتية) الشاملة الكلية التي هي إحدى النتائج العظمى لعملية (تغريب العالم)، ورغم أن "تأثير الغرب قد نفذ إلى قلب الإسلام وراح يهزه من الأعماق، فما زالت الحضارة الإسلامية تنطوي على طاقات هائلة وإمكانات كبيرة، بما يجعلها تنافس الحضارة الهندوكية أو بوذية الماهايان من أجل السيطرة في المستقبل بوسائل تتعدى تصوراتنا"
ولكن ماذا يكمن في الحضارة الإسلامية من طاقات غير قائمة في الحضارة الأوربية الحديثة حتى نتوقع لها الازدهار في المستقبل؟ يرد توينبي: إن الحضارة الأوربية تحمل في طياتها التناقض بين الفكر والسلوك، بين أفكار الإنسانية والمساواة والإخاء والحرية التي ورثتها من الثورة الفرنسية والتفرقة العنصرية التي تمارسها الآن بالفعل والتي تشكل خطراً عليها بزيادة وعي الشعوب الملونة بذاتها وبالآخر، إضافة إلى طغيان النزعة الآلية والنزعة الاستهلاكية والفردية وغير ذلك من مظاهر ضعف الحضارة الغربية الراهنة, هذا في حين أن طابع الحضارة الإسلامية الاتساق بين الفكر والعمل فيما يخص الموقف من الإنسان والمساواة بين جميع الناس، ويرى توينبي أن انطفاء جذوة النزعات العنصرية بين المسلمين يعد ظاهرة من أعظم المنجزات الأخلاقية في الإسلام، فقد شهدت الدولة الإسلامية في أزهى عصورها أن ارتفع إلى مراكز السلطة فيها الرقيق والعبيد، وفي العالم المعاصر تبدو الحاجة ماسة إلى نشر هذه الفضيلة الإسلامية، ومن المعقول أن تكون روح الإسلام هي تلك القوة المدخرة التي قد تقرر مصير تلك المشكلة لصالح التسامح والسلام"
والفضيلة الثانية التي يراهن عليها توينبي في الحضارة الإسلامية هي تحريم الخمر، وقد لا يدرك الكثيرون قيمة هذا التحريم بالنسبة للحضارة ولكن من يشاهد عن قرب سكان المناطق الاستوائية يدرك أن توقف نشاطهم راجع إلى شرب الخمر إلى حد كبير، "ولقد فشل الإداريون الأوربيون في علاج هذه المشكلة التي لا تحلها القوانين المفروضة لأن الامتناع عن شرب الخمر لا يتم إلا بوازع ديني"
ويخلص توينبي في بيان ما يمكن أن يكونه الإسلام في عالم الغد إلى القول (إن الطبيعة تخاف الفراغ) ويصدق ذلك على المجال الروحي كما يصدق على المجال المادي، والحضارة الغربية لم تحسن ملء هذا الفراغ الروحي بنفسها، لكنها بالمقابل قد وضعت نظاماً فريداً من الوسائل المادية لعمليات النقل والاتصال المختلفة تحت تصرف أية قوة روحية قد تقرر أن تحل محلها في المستقبل. والإسلام في اثنين من هذه المناطق الاستوائية في إفريقيا الوسطى واندونيسيا هو القوة الروحية التي أفادت من فرصة (الإصلاح) في هذا المجال الروحي الميسور لذي أتاحه رواد الحضارة الغربية المادية لجميع الوافدين، وإذا ما وفق سكان هذه المناطق يوماً إلى استعادة حالة روحية ترد عليهم ذواتهم، فلا ريب في أن هذا يعد كسباً كبيراً للإسلام، هنا في جبهة الغد، نستطيع أن نرى أثرين فعالين يمكن أن يحدثهما الإسلام في العالم الجديد، لكن هذه الاحتمالات المختلفة لا يمكن التثبت من صحتها الآن فقد تسوغها الأحداث وقد لا تسوغها، "فإن هذا الخليط الشامل المتنافر قد ينتهي بانفجار، وفي مثل هذه الكارثة قد يكون للإسلام دور مختلف يؤديه لكونه عنصراً فعالاً في انتفاضة عنيفة ينتفضها العالم الكوزموبوليتي المختلف في ثورته على أسياده الغربيين"

مقتطف من كتابي، فلسفة التاريخ في الفكر الغربي المعاصر الجزء الثاني الفصل الخامس