أثار المؤتمر القبلي الذي انعقد امس الخميس في مدينة جنيف السويسرية، تحت شعار إطلاق «ميثاق الشرف القبلي اليمني لحماية المدنيين»، موجة واسعة من الانتقادات والتساؤلات في الأوساط السياسية والحقوقية اليمنية، وسط اتهامات للقائمين عليه باستقطاب أكثر من مائة شخصية قبلية واجتماعية محسوبة على الشرعية إلى خارج البلاد، في توقيت تشهد فيه الجبهات تصعيداً عسكرياً وتتواصل فيه الدعوات الرسمية للتعبئة العامة ومساندة القوات الحكومية في مواجهة مليشيا الحوثي.
وتصاعدت حدة الانتقادات عقب غياب ممثلي مليشيا الحوثي عن الفعالية، رغم أن المشاركين توجهوا إلى جنيف، وفقاً لما ذكره ناشطون، بناءً على وعود بمشاركة شخصيات من مختلف الأطراف، بما فيها الجماعة، لإشهار الميثاق واستكمال برنامج المؤتمر، قبل أن يقتصر الحضور المحسوب على الحوثيين، بحسب تلك الروايات، على ناشطتين فقط.
وفي قراءة أكثر تفصيلاً لأبعاد المؤتمر، حذر الدكتور والباحث السياسي عبدالقادر الخراز من تداعيات الفعالية، معتبراً أن ما يجري لا يمكن اختزاله في لقاء قبلي لإعلان وثيقة شرف، وإنما يستدعي التوقف أمام طبيعة الجهات المنظمة والشخصيات المشاركة والنتائج السياسية والدولية المحتملة.
وأشار الخراز إلى مركز جنيف للحوكمة الأمنية (DCAF) والشخصيات المرتبطة بالفعالية، وطرح تساؤلات بشأن علاقات بعض القائمين عليها بشخصيات وتيارات محسوبة على مليشيا الحوثي، مستنداً إلى ما قال إنها ارتباطات سياسية وشبكات نفوذ سبق أن تناولها في كتاباته وأبحاثه المتعلقة بما وصفه بالتنظيم السري للحوثيين.
وحذر الباحث السياسي من توظيف عناوين إشراك القبائل اليمنية في بناء السلام لتقديم الجماعة الحوثية أمام المؤسسات الدولية باعتبارها سلطة أمر واقع، بدلاً من التعامل معها بوصفها جماعة انقلابية مسلحة، معتبراً أن إشراك شخصيات قبلية من مناطق مختلفة في مثل هذه الفعاليات قد يُستخدم لإضفاء غطاء اجتماعي على مسارات سياسية تتجاوز حقيقة الصراع اليمني.
ولفت الخراز إلى أن خطورة هذه التحركات، وفق قراءته، تكمن أيضاً في المخرجات والتقارير التي قد تُرفع إلى المنظمات الدولية ومجلس الأمن، محذراً من إعادة تصوير الأزمة اليمنية على أنها خلاف سياسي بين طرفين، بما قد يؤدي إلى تهميش قضية الانقلاب والحرب والانتهاكات التي يتعرض لها المدنيون.
واستشهد بما قال إنه حدث عقب فعالية مماثلة أقيمت عام 2024، قائلا أن تقريراً رُفع إلى مجلس الأمن والأمم المتحدة تضمن توصيفات سياسية وأمنية اعتبرها منحازة للحوثيين، ومتهماً القائمين على تلك المسارات بمحاولة إعادة تشكيل صورة أطراف الصراع لدى المجتمع الدولي.
من جهته، انتقد السياسي عبدربه هشله ناصر انعقاد المؤتمر في جنيف، معتبراً أن نقل لقاءات قبلية يمنية إلى الخارج، بعيداً عن واقع المناطق التي ينتمي إليها المشاركون، يعكس فجوة بين هذه الفعاليات واحتياجات المجتمع اليمني.
وقال هشله إن مثل هذه المؤتمرات تثير تساؤلات بشأن جدواها وقدرتها على إحداث تأثير حقيقي، خصوصاً في ظل غياب أصحاب القرار الفعلي في الميدان، واستمرار الحرب والحصار والأزمات الإنسانية التي تعصف بمناطق واسعة من البلاد.
وانتقد ما وصفه بتكاليف مالية ضخمة تُنفق على لقاءات خارجية لا تنعكس نتائجها على حياة المواطنين، مشيراً إلى أن الموارد التي تُصرف خلال أيام على ضفاف بحيرة ليمان كان بالإمكان توجيهها إلى مشاريع إنسانية وتنموية، تشمل توفير الغذاء للأسر الفقيرة، وحفر آبار المياه، وتجهيز الوحدات الصحية، وإعادة بناء المدارس المتضررة من الحرب.
وأضاف أن التجارب السابقة لمثل هذه اللقاءات أظهرت، بحسب تقديره، فجوة بين البيانات الختامية والوثائق التي يجري التوقيع عليها في القاعات الدولية، وبين إمكانية تنفيذها على الأرض في المديريات والقرى اليمنية التي لا تزال تعاني من تداعيات الحرب.
وتأتي هذه الانتقادات في وقت يرى فيه ناشطون أن توقيت المؤتمر يفرض تساؤلات إضافية، خصوصاً مع تصاعد المواجهات العسكرية وتزايد الدعوات إلى التعبئة العامة، معتبرين أن توجيه هذا العدد من الشخصيات القبلية والاجتماعية إلى فعالية خارج البلاد كان يفترض أن يتزامن مع جهود توحيد الصفوف وإسناد الجبهات، لا الابتعاد عن المشهد الميداني.
وبينما يثير المؤتمر جدلاً حول طبيعة أهدافه والجهات المستفيدة من مخرجاته، تتجه الانتقادات إلى ضرورة إخضاع الجهات المنظمة والتمويل والأسماء المشاركة والوثائق المنتجة لمزيد من الشفافية، والكشف عن المسارات التي ستُوظف فيها نتائج هذه الفعالية أمام المؤسسات الدولية، في ظل مخاوف من أن تتحول المؤتمرات القبلية إلى منصات لإنتاج مواقف سياسية لا تعكس بالضرورة واقع اليمنيين وتطلعاتهم.