شهدت العاصمة المحتلة صنعاء انتشارًا واسعًا للوحات دعائية ضخمة تحمل شعارات مرتبطة بذكرى عاشوراء في ميدان السبعين وشارع الستين، في خطوة أثارت انتقادات واتهامات لمليشيا الحوثي بالسعي إلى تكريس الخطاب الطائفي وإعادة تشكيل الهوية الثقافية والاجتماعية للمدينة.
وتصدرت إحدى اللوحات العملاقة في ميدان السبعين عبارة: "ذكرى عاشوراء.. إن الحديث عن كربلاء هو حديث عن الحق والباطل، النور والظلام، الشر والخير"، فيما اعتبر منتقدون أن مضمونها يحمل رسائل تعبئة ذات طابع طائفي، ويقدم الصراع التاريخي بوصفه أداة لإحياء الانقسام السياسي والمذهبي.
وتنتشر عشرات اللوحات المشابهة في أبرز شوارع العاصمة، بالتزامن مع إحياء الجماعة لمناسبات دينية ومذهبية لم تكن مألوفة في اليمن، وسط أوضاع اقتصادية ومعيشية متدهورة يعاني منها السكان.
وقال الأكاديمي الدكتور عبدالله المحمدي إن هذه الممارسات تمثل جزءًا من "خطة حوثية للسيطرة على الذاكرة الجماعية لليمنيين وإحلال مناسبات دينية وطائفية محل المناسبات الوطنية"، محذرًا من آثارها بعيدة المدى على الوعي المجتمعي.
من جانبه، عبّر الناشط نايف النصر عن استيائه من التحولات التي تشهدها العاصمة، قائلاً إن انتشار الشعارات والصور والمواد الدعائية ذات الطابع الطائفي يجعله يشعر بالغربة داخل المدينة التي نشأ فيها.
ويقول مراقبون إن ميدان السبعين، الذي ارتبط في الذاكرة الوطنية بالاحتفالات الجمهورية والعروض العسكرية وملحمة حصار السبعين، أصبح خلال السنوات الأخيرة ساحة رئيسية للفعاليات والشعارات الطائفية، إلى جانب تعليق صور قيادات حوثية وإيرانية وأخرى تابعة لـ"حزب الله" اللبناني.
وامتدت مظاهر التغيير إلى مدينة صنعاء القديمة، حيث تنتشر الشعارات والعبارات ذات الطابع الطائفي على الجدران والمباني التاريخية، بما في ذلك محيط باب اليمن، في مشهد أثار انتقادات بشأن تأثيره على الطابع التاريخي للمدينة المدرجة ضمن قائمة التراث العالمي.
وبحسب متابعين، تسارعت هذه التحولات منذ سيطرة مليشيا الحوثي على صنعاء في سبتمبر 2014، بالتوازي مع تغييرات طالت المناهج التعليمية، والقطاع الحكومي، والجامعات، والأنشطة المدرسية، ضمن ما يصفه منتقدو الجماعة بمساعٍ لإعادة تشكيل وعي المجتمع وفق مشروعها الأيديولوجي.
كما أشاروا إلى محاولات لتغيير رمزية بعض المعالم الوطنية، من بينها ميدان السبعين، فضلاً عن محاولات غير رسمية لإطلاق اسم القيادي الحوثي صالح الصماد على الميدان، وتغيير اسم جامع الصالح، وهي خطوات لم تلقَ قبولًا واسعًا في الشارع اليمني.
وتزامنت هذه التحولات مع استمرار إقامة فعاليات وطقوس مذهبية، بينها احتفالات عاشوراء على نمط الممارسات الشيعية في العراق، إلى جانب إنتاج أناشيد دينية ذات طابع اثني عشري، في وقت سبق أن كشفت فيه تقارير عن التحاق مئات الطلاب اليمنيين بالحوزات الدينية في إيران.
ويرى مراقبون أن تصاعد الخطاب والأنشطة الطائفية يثير مخاوف من انعكاساته على النسيج الاجتماعي والهوية الوطنية، خصوصًا مع تركيز الجماعة على استهداف الأطفال والنشء عبر البرامج المدرسية والدورات الثقافية، بما يعمق الانقسام المجتمعي ويكرس مشروعًا أيديولوجيًا في العاصمة ومناطق أخرى خاضعة لسيطرتها.