آخر تحديث :الخميس-16 أبريل 2026-11:27ص
اخبار وتقارير

تحولات ما بعد غزة تعيد رسم النفوذ الإيراني.. والحوثيون في قلب التراجع الإقليمي

تحولات ما بعد غزة تعيد رسم النفوذ الإيراني.. والحوثيون في قلب التراجع الإقليمي
الثلاثاء - 14 أبريل 2026 - 02:04 ص بتوقيت عدن
- نافذة اليمن - متابعات خاصة

تشهد منطقة الشرق الأوسط، في أعقاب حرب غزة، تحولات متسارعة تعيد صياغة خريطة النفوذ الإقليمي، مع بروز مؤشرات واضحة على تراجع أدوار جماعات مسلحة اعتمدت عليها قوى إقليمية لسنوات طويلة في توسيع حضورها غير المباشر. وفي هذا السياق، يسلط تحليل دولي الضوء على ما وصفه بأزمة بنيوية تضرب نموذج النفوذ الإيراني القائم على “الوكلاء”، حيث تظهر ميليشيا الحوثي كأحد أبرز نماذج هذا التراجع المتسارع.

وذكر تحليل صادر عن مركز بيلفر للعلوم والشؤون الدولية، إن الاستراتيجية الإيرانية القائمة على دعم الجماعات المسلحة ضمن ما يعرف بتصدير الثورة، باتت تواجه مرحلة تفكك تدريجي، انعكس بوضوح على أداء وأدوار الحوثيين في اليمن، خصوصًا في ظل تداعيات أحداث 7 أكتوبر 2023 وما تبعها من تصعيد إقليمي واسع.

ويشير التحليل إلى أن شبكة الفصائل التي بنتها طهران عبر عقود في عدة ساحات إقليمية كانت تمثل أداة رئيسية لنفوذها غير المباشر، إذ منحتها القدرة على التأثير الاستراتيجي دون الدخول في مواجهات عسكرية مباشرة، وهو ما شكّل أحد أعمدة سياستها الخارجية.

لكن هذه الشبكة، التي رُوّج لها سابقًا باعتبارها محور المقاومة، بدأت وفق التقرير تتحول إلى عبء متزايد، نتيجة الضغوط العسكرية والاستخباراتية، وتعرضها لخسائر بشرية وقيادية مؤثرة، إلى جانب تراجع قنوات التمويل والدعم اللوجستي.

ويؤكد التقرير أن هذا التراجع لم يحدث بصورة مفاجئة، بل جاء نتيجة تراكمات ممتدة من العقوبات الدولية والاستنزاف الميداني، غير أن مرحلة ما بعد 7 أكتوبر سرّعت من انكشاف هذه المنظومة، وكشفت حدود قدرتها على إدارة النفوذ عبر الوكلاء في بيئة إقليمية متغيرة.

وفي هذا الإطار، برزت مليشيا الحوثي كأحد أهم أدوات هذا النموذج، إذ منحت إيران موقعًا استراتيجيًا على البحر الأحمر وممرات الملاحة الدولية دون تدخل مباشر، غير أن هذا الدور – بحسب التحليل – بدأ يتعرض لتآكل واضح في السنوات الأخيرة.

ويضيف التقرير أن الجماعة واجهت ضغوطًا متعددة المستويات، شملت خسائر عسكرية متكررة، وتراجعًا في الدعم الخارجي، وضعفًا في القدرة على إعادة بناء قدراتها، في وقت لم تنجح فيه محاولات التصعيد العسكري في تعزيز موقعها، بل ساهمت في توسيع دائرة المواجهة الدولية ضدها.

ومع اندلاع حرب غزة، حاول الحوثيون توظيف الحدث لإعادة تموضعهم إقليميًا عبر تكثيف الهجمات في البحر الأحمر واستهداف الملاحة الدولية، غير أن هذا الرهان، وفق التحليل، أدى إلى نتائج عكسية، تمثلت في تدخلات عسكرية دولية موسعة وضربات استهدفت بنيتهم العسكرية وأضعفت قدرتهم العملياتية.

كما أسهمت هذه التطورات في تشديد الإجراءات الدولية بحق الجماعة، بما في ذلك تصنيفها ضمن قوائم الإرهاب في بعض السياسات الغربية، الأمر الذي زاد من عزلتها وقلّص هوامش تحركها المالي والدبلوماسي بدلًا من توسيعها.

وعلى الصعيد الاقتصادي، يلفت التحليل إلى أن الحوثيين تكبدوا خسائر مالية ملحوظة نتيجة العقوبات وتقييد مصادر الدخل، إضافة إلى استهداف منشآت ومرافق حيوية، ما انعكس على قدرتهم في إدارة المناطق الخاضعة لهم وتقديم الخدمات الأساسية.

وفي موازاة ذلك، تراجعت فاعلية شبكات الدعم الخارجي للجماعة نتيجة الضغوط الدولية وتغير أولويات الحلفاء الإقليميين، وهو ما عمّق من حالة العزلة وأضعف القدرة على المناورة السياسية والعسكرية.

ولا يقتصر التراجع – بحسب التقرير – على الجوانب العسكرية والمالية، بل يمتد إلى البنية التنظيمية الداخلية، حيث تشير المعطيات إلى فقدان قيادات بارزة، وارتفاع مستويات الحذر الأمني داخل الصف القيادي، في ظل تصاعد المخاطر والاختراقات المحتملة.

كما يعكس التراجع الملحوظ في ظهور زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي لفترات متقطعة حالة من إعادة التموضع والاحتراز الأمني داخل القيادة، وفق ما يراه التحليل، في ظل تصاعد الضغوط الإقليمية والدولية.

وفي سياق متصل، أدى تدهور الأوضاع المعيشية والخدمية في مناطق سيطرة المليشيا إلى تراجع نسبي في شعبيتها، ما انعكس على قدرتها في الحشد والتعبئة الداخلية مقارنة بالسنوات السابقة.

ويشير التقرير أيضًا إلى تحول لافت في الخطاب الإعلامي والسياسي للجماعة، حيث تراجع استخدام شعارات محور المقاومة لصالح خطاب أكثر محلية يركز على الداخل، في مؤشر على إعادة صياغة الأولويات.

ويخلص مركز بيلفر إلى أن جماعة الحوثي باتت أقرب إلى فاعل محلي يواجه تحديات وجودية داخل اليمن، بعد أن كانت تُقدَّم كجزء من شبكة نفوذ إقليمي أوسع ضمن الاستراتيجية الإيرانية.

ويرى التحليل أن فشل الجماعة في تحويل حرب غزة إلى مكسب استراتيجي لم يكن مجرد إخفاق ظرفي، بل كشف حدود نموذج الوكلاء الإقليميين، وأعاد تشكيل ميزان القوى في المنطقة بشكل أكثر تعقيدًا.

ومع استمرار الضغوط العسكرية والاقتصادية والسياسية، يخلص التقرير إلى أن خيارات الحوثيين باتت أكثر محدودية، بين الانخراط في مسار تسوية سياسية أو مواجهة مسار تآكل تدريجي قد يهدد استمرارهم كقوة فاعلة على المدى المتوسط والبعيد.