تعكس الخلافات العلنية المتصاعدة داخل أوساط قيادات ميليشيا الحوثي الإيرانية في صنعاء صورة أعمق لواقع التدمير الممنهج الذي طال مؤسسات الدولة في مناطق سيطرتها، حيث تحوّلت المرافق الحكومية من أدوات لإدارة الشأن العام إلى هياكل مسيّسة تُدار بمنطق الجماعة والولاء، بعيدًا عن القوانين والنظم الإدارية.
تصريحات لمصادر محلية في صنعاء وأخرى محسوبة على الجماعة اتهمت وزير المالية في حكومة صنعاء غير المعترف بها دوليًا، عبد الجبار الجرموزي، بتحويل وزارة المالية إلى ما وصفه بـ"الدكان" تُدار فيه شؤون الموظفين والرواتب وفق أهواء شخصية ومزاجية، بعيدًا عن أي معايير قانونية أو مؤسسية.
وقال الجرموزي، في منشور مطوّل على صفحته في موقع فيسبوك، إن وزارة المالية باتت تُدار وكأنها "جلسة قات"، حيث تُصنع القرارات – على حد وصفه – بعد "آخر شفطة تبغ"، مضيفًا أن الوزير أصبح "أخف الناس على المال العام وأثقلهم على الشعب"، في إشارة إلى السياسات المالية التي أدت إلى حرمان آلاف الموظفين من رواتبهم.
واتهم الناشط الحوثي الوزير بتقسيم موظفي الدولة إلى فئات (أ، ب، ج) دون أي سند قانوني أو أخلاقي، معتبرًا أن معيار الصرف لم يعد الكفاءة أو الاستحقاق الوظيفي، بل درجة الولاء والتصفيق، قائلاً إن "من يصفّق يُصرف له، ومن يصمت يُجَوَّع".
وانتقد الجرموزي ما وصفه بـ"الرحلة الصاروخية" لمسيرة الوزير الوظيفية، مشيرًا إلى انتقاله من سائق سيارة أجرة إلى وزير مالية خلال فترة زمنية قصيرة، دون تأهيل أكاديمي أو خبرة إدارية، معتبرًا ذلك نموذجًا صارخًا لطريقة إدارة الجماعة لمؤسسات الدولة.
وسخر الجرموزي من الخطاب الإعلامي لوزارة المالية، قائلاً إن الوزير ينشغل بتلميع صورته عبر مواقع التواصل الاجتماعي والترويج لما سماه "إنجازات تاريخية"، في وقت يعاني فيه الموظفون من انقطاع الرواتب، بينما تُنفق – بحسب تعبيره – ملايين الريالات على حاشية إدارية وإعلامية تفتقر لأبسط مفاهيم الإدارة المالية.
وختم الجرموزي منشوره بالتأكيد على أن ما يجري لا يعبّر عن فشل إداري فحسب، بل يمثل إهانة للدولة وإذلالًا للشعب ، معتبرًا أن إدارة شؤون المواطنين بالصور والمنشورات لا يمكن أن تحجب حقيقة الانهيار المؤسسي، ومؤكدًا أن "التاريخ لا ينسى ولا يرحم".
ويأتي هذا الهجوم العلني في وقت تؤكد فيه تقارير فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة بشأن اليمن أن جماعة الحوثي عمدت خلال السنوات الماضية إلى تعطيل مؤسسات الدولة، ونهب الموارد العامة، وحرمان موظفي القطاع العام من رواتبهم، مع تحويل الوزارات إلى أدوات جباية تخدم المجهود الحربي للجماعة.