آخر تحديث :الأربعاء-14 أكتوبر 2026-12:50ص

فجر اليمن .. تعثر ميداني أم استدراج استراتيجي؟

الأربعاء - 14 أكتوبر 2026 - الساعة 12:25 ص

مطيع سعيد المخلافي
بقلم: مطيع سعيد المخلافي
- ارشيف الكاتب


بعد مرور أكثر من أسبوع على انطلاق عملية فجر اليمن العسكرية، لم تعد القضية تتعلق بحجم الآمال التي رافقت إعلانها، بل بمدى قدرتها على ترجمة تلك الآمال إلى انتصارات حقيقية على الأرض. فبين الأهداف الكبرى المعلنة، وفي مقدمتها استعادة صنعاء وإنهاء انقلاب الحوثيين، وبين النتائج الميدانية المحدودة، تتسع فجوة تثير القلق وتفرض أسئلة لا يجوز تجاهلها.


انطلقت العملية في الخامس من أكتوبر الجاري، بإعلان من رئيس مجلس القيادة الرئاسي، وبإسناد جوي من التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية، وسط تطلعات يمنية بأن تكون بداية لتحول عسكري ينهي سنوات من الجمود ويعيد للدولة هيبتها ومؤسساتها.


لكن الوقائع الميدانية، لا تزال دون مستوى تلك التطلعات؛ إذ تركزت أبرز المكاسب المعلنة في تحرير جبال كهبوب ومديرية ذوباب المندب، مع تقدم باتجاه جبهات الوازعية، بالتزامن مع اتساع رقعة سيطرة الحوثيين إلى ثمان مديريات جديدة في محافظة تعز، واستمرار الضغط العسكري على المدينة ومواقعها الاستراتيجية.


وهنا تكمن المفارقة التي تستحق الوقوف أمامها: كيف تبدأ عملية بهدف استعادة الدولة، بينما تتسع رقعة سيطرة خصمها في واحدة من أهم المحافظات اليمنية؟


لا يكفي إعلان العمليات العسكرية، ولا استعراض الأهداف الاستراتيجية، لإقناع اليمنيين بأن معركة استعادة الدولة تسير في الاتجاه الصحيح. فالمعيار الحقيقي لأي عملية عسكرية هو ما تحققه على الأرض، وما تستطيع تثبيته من مكاسب، وقدرتها على حماية المناطق المحررة ومنع الخصم من توسيع نفوذه.


وإذا كانت القيادة الشرعية تمتلك خطة استراتيجية تقوم على استدراج الحوثيين إلى جبهات واسعة، واستنزاف قواتهم وتعزيزاتهم، تمهيداً لهجوم مضاد من مأرب أو الجوف أو صعدة أو البيضاء باتجاه صنعاء، فإن من حق الرأي العام أن يرى مؤشرات ميدانية تعزز هذا التفسير. أما تحويل كل تراجع إلى مناورة، وكل غياب للتقدم إلى جزء من خطة سرية، فليس استراتيجية يمكن تقييمها، بل فرضية لا تثبتها إلا النتائج.


وفي المقابل، سيكون من الخطأ إصدار حكم نهائي على العملية خلال أيامها الأولى، لكن ذلك لا يعفي القيادة السياسية والعسكرية من مسؤولية توضيح مسار المعركة، وشرح أهداف مراحلها، ومصارحة المواطنين بحقيقة الوضع الميداني، بعيداً عن المبالغة في الوعود أو الاكتفاء بالخطاب التعبوي.


إن تعز، بما تمثله من ثقل جغرافي وسياسي ورمزي، ليست ساحة هامشية يمكن التعامل مع خسارة مناطقها باعتبارها تفصيلاً عسكرياً عابراً. وأي اتساع للسيطرة الحوثية فيها يفرض مراجعة جادة للأداء العسكري، وتحديد المسؤوليات، واتخاذ إجراءات تحول دون استمرار التدهور.


إن أخطر ما يمكن أن تواجهه فجر اليمن ليس تعثراً عسكرياً مؤقتاً، بل فقدان الثقة الشعبية في قدرتها على تحقيق أهدافها. فاليمنيون لا ينتظرون عملية جديدة تضاف إلى سجل العمليات العسكرية، وإنما ينتظرون مساراً واضحاً لاستعادة دولتهم، ووقف تمدد الحوثيين، وإنهاء حالة الاستنزاف المفتوحة.


وعليه، فإن الأيام المقبلة ستكون اختباراً حقيقياً لجدية العملية وكفاءة قيادتها: إما أن تظهر نتائج ميدانية تعيد رسم موازين القوى وتؤكد أن ما يجري جزء من خطة متماسكة، وإما أن تتسع الأسئلة بشأن الفجوة بين الأهداف المعلنة والواقع.


فاستعادة صنعاء لا تتحقق بالشعارات، وهيبة الدولة لا تُستعاد بالبيانات؛ بل بقيادة تمتلك رؤية واضحة، وقوات تحقق تقدماً ملموساً، واستراتيجية تُقاس بنتائجها لا بما يُقال عنها.


فهل تكون فجر اليمن بداية لاستعادة الدولة، أم تتحول إلى فرصة أخرى تضيع وسط الوعود والتعقيدات؟ الإجابة لن تصنعها التصريحات، بل الميدان.