قرأت رسالة جديدة بعث بها الأخ المناضل د. عبدالناصر الوالي، وهي ضمن سلسلة رسائل سبق لي أن حاولت تفكيك بعضها، إلى درجة أن الطبيب البارز يضعني في "موضع الخصم له"، كما قال لي بعض المقربين منه.
والحقيقة أنه ليس بيني وبين الرجل أي خلاف، سوى أن لي وجهة نظر حول ما يكتبه. وطالما أنه يطرح رأيه، فمن حقي أن أحاول قراءة ما بين سطور هذه المقالة أو الرسائل تلك.
وحتى إن لم تعجبه تعليقاتي، فهي محاولة لتفكيك هذه النصوص.
أقرّ الوالي بأنهم "مخطئون"، وأنهم يسيرون على المنوال نفسه، أي الوقوع في الخطأ. وهنا قد لا يبدو السؤال حول: "لماذا لا تعتزلون السياسة، طالما أن أخطاءكم متكررة؟" سؤالاً بديهياً، أليس كذلك؟.
كنت أتمنى أن يكون شجاعاً فيضع للأزمة توصيفاً دقيقاً يتعلق بمرحلة ما بعد "الثاني من يناير الماضي"، لكنه، مع الأسف، يكرر الوقوع في خطاب التناقض الفج.
المعذرة يا عزيزي، سأكون قاسياً هذه المرة، لا لشيء، ولكنها نصيحة محب لك. ولا يهمني في هذا المقام أن تقبل أو ترفض هذه النصيحة، لكن دعني أشرح لك الفكرة.
الذهاب إلى الوحدة اليمنية كان "خطيئة كبرى". فعلى أي أساس تذهب قيادة إلى وحدة وهي في حالة انقسام واضح جراء الصراع في منتصف الثمانينيات؟ هل كان هناك إجماع على الذهاب نحو الوحدة؟.
بل كانت هناك قيادة سياسية مراهقة ارتكبت خطيئة فجة، وأنتم كررتم تلك الخطيئة نفسها حين تم حل المجلس الانتقالي الجنوبي في الرياض. ويحزنني أن رفاقك قالوا إنك من كتب بيان "الحل".
فمن وقّع على الوحدة اليمنية في القصر المدور بالتواهي، هو مثل الذي وقّع على حل المجلس الانتقالي الجنوبي في الرياض، لا فرق.
فإذا لم تكن أنت نادماً على الذهاب نحو مشروع الوحدة، فنحن، جيل منتصف الثمانينيات والتسعينيات، لا نشعر بالندم، ولكن نشعر بالسخط تجاه قيادة سياسية تحكمها القرارات العاطفية. ونسيت أن أقول لك إن كل نصوصك عاطفية جداً، ولا أقول إنك ترتكب خطأً جديداً وأنك تحاول تضليل الرأي العام الجنوبي بمثل هذه الآراء.
لا مكان للعواطف في السياسة، ولا يمكن للعالم أن ينتصر لك طالما أنك تقدم نفسك بوصفك "الضحية"، والطرف الآخر بوصفه "الجلاد". هل تريد من منتصر أن يعترف بخطأ الحرب، وهو يراها "حرباً مقدسة"؟
الحديث الذي يريد (البعض) تسويقه هو أن الرئيس عيدروس الزبيدي أخطأ حين ذهب إلى حضرموت، بدعوى أن هناك اتفاقاً مع الشماليين على تحرير صنعاء ثم "فك الارتباط".
وهنا دعني اطرح سؤالا اعتباطياً.. مع مَن حصل الاتفاق؟ ومتى؟ وأين؟ وفي أي مكان وزمان؟ نريد أن نعرف حتى نلوم الزبيدي لأنه ذهب إلى حضرموت وارتكب ما تقول إنه "خطيئة تكتيكية"، والتي لم تفسرها للقارئ، رغم أمنيتي بأن تفعل ذلك.
قال الوالي إن الجنوب محرر، وإنه يُحكم من قبل ساسة يمنيين، أو كما أسماهم هو "ساسة شماليين". فهل هذا خطأهم هم أم خطأ من تعتقد أنهم "حلفاء للجنوب"؟
أين هو "الشمال الذي يحكم الجنوب"؟ نحن لم نرَ سوى قيادة سعودية من الجنوب السعودي "زيدية إسماعيلية" تحكم الجنوب العربي، من آل جابر إلى الشهراني إلى فهد السلمان إلى أبو مشعل وغيرهم الكثير من ضباط المخابرات السعودية.
وقد استدعيت المذهب لوصف هؤلاء لأنهم هم من استدعى ذلك، ويمكنك العودة إلى تصريحات السفير السعودي لدى اليمن بشأن الزيدية المذهبية.
ومن أسقط الجنوب في العام 1994م ليست صنعاء وحدها، بل الدولة التي تحملت على عاتقها مهمة صناعة "الأفغان العرب" من أمثال أسامة بن لادن. ولا تظن أن شاباً من مواليد منتصف الثمانينيات لا يعرف ولا يقرأ ولا يعي أبعاد تلك الحرب.
وإذا لم تصدقني، يمكنك العودة إلى فتاوى وزير العدل اليمني عبدالوهاب الديلمي. هل تتذكر؟ جيد أنك تتذكر.
لكن دعني أقول لك مَن صدّق الجنوب باسم الوحدة في 1994م، وبأن الوحدة خطيئة، في حين أن الاحتفاء بهذه الخطيئة يدفع البعض إلى إصدار قرارات بالإجازة السنوية، في الوقت الذي لم تعد فيه الوحدة موجودة، بشهادة "معاليك".
ستحاور مَن؟.. هل من يراك من بقايا الشيوعية؟ أم من يراك من بقايا الضاحية الجنوبية؟ أم من يرى أن خطواتك الوطنية تخدم إسرائيل؟ كيف ستحاور أطرافاً يمنية وسعودية ترى أن حربها عليك قائمة لأسباب دينية ومذهبية، وأنك "شيوعي وشيعي ويهودي"؟.
هل تدرك معنى الحوار؟ أما المناورة، فهذا النص ليس "مناورة"، بل تضليلاً، واسمح لي أن أقول ذلك، فالمفردات العاطفية هي تضليل بلا شك.
أخي العزيز، الطبيب الطيب عبدالناصر الوالي، لقد أزعجني جداً قولك إنك تتفهم مشاعر الأصدقاء والأشقاء الذين يساعدون في إنقاذ الوحدة اليمنية. فهل كانت حرب الثاني من يناير محاولة من الأشقاء لإنقاذ الوحدة؟ وعلى هذا الأساس تتفهم هذه المشاعر؟.
ونسيت أن أقول لك إن حرب الثاني من يناير كانت حرباً دينية مذهبية، وصدرت بشأنها فتاوى دينية، ليس بحجة أننا شيوعيون أو شيعة، بل بزعم أن الجنوب أصبح حليفاً لإسرائيل. ولو كان الأمر كذلك، لما تجرأ ولي العهد السعودي على شن حربه الشعواء تلك.
أنت تعترف، يا عزيزي، بأنكم عاطفيون. فأنت المقيم في الرياض حالياً لا تستطيع أن تقول إن "الأشقاء الذين تتفهم مشاعرهم" يمنعونك من السفر. فالانتظار والصبر لن يحرركم من القيود التي يفرضها السعوديون عليكم. لكن دعني أختلف معك في النهاية حول المثل الصيني، فهو ليس دقيقاً؛ لأنه من المستحيل أن تأتيك جثة عدوك وأنت جالس على ضفة النهر، فالعدو يتربص بك في البحر والبر، ويسعى إلى تشريدك.
عزيزي عبدالناصر الوالي، إذا كانت الأخطاء تتكرر مرة تلو الأخرى، وترى بأنكم عاطفيون جداً، فلماذا لا تتركون المجال لمن هو قادر على تجاوز الأخطاء؟ لماذا تصرون على تقديم سردية "الضحية والجلاد"، وانتظار عالم مشغول بحروبه الخاصة كي ينتصر لكم ويحقق تطلعات شعبكم؟.
أنت تعرف أن خطيئة الرياض تفوق ثلاث مرات خطيئة القصر المدور في التواهي. فإذا كان المحتل اليمني في حرب 1994م قد أقصى الجنوبيين، فإن المحتل السعودي يستخدم أدوات جنوبية، لا شمالية، لفرض وصايته وهيمنته واحتلاله ونهب مقدرات البلد.
هل تستطيع أن تقول لنا اليوم من يمثل الجنوب؟
هل توجد قيادة جنوبية موحدة؟ وهل تتفق كل المحافظات الجنوبية على مشروع سياسي واحد؟ بل أستطيع القول إن هذه القيادة الموجودة اليوم هي "سماسرة انتهازيون"، لا مشروع وطني لديهم ولا رؤية سياسية، سوى تنفيذ أجندة الاحتلال السعودي.
سيكتب التاريخ أن عيدروس الزبيدي كان أشجع السياسيين الجنوبيين، وأكثرهم إخلاصاً ووفاءً للقضية الوطنية الجنوبية. تحرك رفقة رفاق شجعان، وظن أن الجميع مثله، لكنه لم يجد معه في النهاية سوى قلة قليلة من السياسيين، من فرج سالمين البحسني إلى أحمد حامد لملس إلى علي الكثيري ومحمد عبدالملك الزبيدي وغيرهم.
كفّوا عن الخطاب العاطفي والتناقض الفج بين مزاعم السيطرة الكاملة وخطاب المظلومية الكاملة. فالمشكلة لم تعد مع الشمال (وأقصد ما بعد الثاني من يناير). فرشاد العليمي وفرقته أدوات سعودية، مثلهم مثل الأدوات الجنوبية. بمعنى أن شعارات الوحدة لم تعد موجودة، وما هو حاصل هو هيمنة سعودية فجة، بمساعدة أدوات جنوبية وأخرى شمالية، كما يحلو لك تسميتها.
كفّوا عن الخطاب العاطفي ورمي الفشل والأخطاء على الظروف الدولية، فالمناضلون الحقيقيون، على امتداد التاريخ، لم يرموا فشلهم على الأخطاء التاريخية. تذكر حديث الزعيم عيدروس الزبيدي حين أسقطت السعودية قوات النخبة الشبوانية في العام 2019، إذ قال: "نحن مسؤولون عما حصل"، ولم يقل إن هناك أخطاء. لذلك، فهو لم يخطئ؛ تحرك في أرضه وأراد الحفاظ على المكاسب الوطنية التي ضاعت اليوم، بفعل أن هناك من يريد تقديم الجنوب على أنه "الضحية"، وهو خائف من تسمية "الجلاد".
وفي الأخير تقبل تحياتي واسأل الله ان يفك اسركم وان تعودوا إلى وطنكم وأسركم سالمين.
#صالح_أبوعوذل