تعز لا تعيش أزمات. تعز تُصنع فيها الأزمات، وتُدار كاستثمار.
أحد عشر عاماً من الإنهاك الممنهج لم تشرق فيها شمس إلا ومعها طابور جديد، وسوق سوداء جديدة، وجنازة جديدة. مواطن أرهقته جباية بلا خدمات، وحصار بلا رحمة، وفوضى بلا محاسبة.
ملامح الانهيار: مدينة تُسلخ عن الحياة
وجوه ذابلة كأنها خرائط بؤس. عيون غارت فيها الأحلام. أجساد لا تقوى على حمل خيباتها. في كل بيت معركة بقاء يومية: الرغيف ضد الدواء، الماء ضد الإيجار، الكرامة ضد الذل. لا بريق للأمل، ولا طاقة لتحمل المزيد.
سجل الجرائم اليومية: من الغاز إلى القبر.
1- حرب الغاز: إذلال وتجويع وتمويل القاتل
وصل سعر الأسطوانة في السوق السوداء إلى 18 ألف ريال. تتكدس النساء والأطفال في طوابير مهينة لساعات من أجل أسطوانة واحدة. يتزامن هذا مع ضخ يومي لأخبار "قرب الحل" عبر الإعلام الرسمي، بينما الواقع: طوابير أطول وأسعار أجن. النتيجة: عادت آلاف الأسر لاستخدام الحطب في القرن الـ21. عاد الدخان لصدور الأطفال، والذل لعيون الأمهات.
2 - سوق الموت: سموم على الأرفف
تحولت أسواق تعز إلى مكب للنفايات الغذائية والدوائية. مواد غذائية منتهية الصلاحية تُباع علناً. أدوية مهربة ومغشوشة تملأ الصيدليات بلا رقابة، تقتل المرضى بدل علاجهم. من يسمح بدخول هذه السموم؟ من يحمي تجار الموت؟
3 - مجازر المعطف الأبيض: القتل بالإهمال.
غرف العمليات في بعض مستشفيات تعز تحولت إلى "مناطق قتل خارج القانون". أخطاء طبية قاتلة تُرتكب بدم بارد: جرعات تخدير زائدة، تشخيص خاطئ، عمليات يجريها غير مختصين. النتيجة: جثث تخرج بدل مرضى، وشلل دائم، وأورام تعود بسبب بروتوكولات علاج خاطئة. والقاتل؟ لا يزال يرتدي معطفه الأبيض ويمارس عمله بلا حساب.
4- عدالة معطلة: الجاني حر والضحية مدفون.
جرائم قتل تُقيد ضد مجهول. عصابات مسلحة تعبث بأمن المدينة. قضايا الأخطاء الطبية تُغلق بصلح قبلي أو تُجمد لسنوات. المجني عليه يدفن، والجاني يفلت من العقاب. من يعطل يد العدالة؟ من يمنح "الحصانة البيضاء" و"الحصانة السوداء" للمجرمين؟
5- تكميم الأفواه: لماذا الناقدون مستهدفون والفاسدون محميون؟
في تعز، يواجه الصحفيون وكُتاب الرأي ملاحقات أمنية و استدعاءات قضائية وتعسفات غير قانونية على خلفية قضايا نشر وآراء تنتقد الفساد وتفضح الإهمال. تُفتح ملفات قضائية للصحفي الذي يكتب عن السلع المغشوش، بينما تُغلق ملفات التاجر والمسؤول الذي أدخلها. يُستدعى الكاتب الذي يوثق خطأً طبياً، بينما الممرض المتهم يواصل عمله. تُستخدم بلاغات "الإساءة" و"التشهير" كسيف مسلط على رقاب الناقدين، في الوقت الذي يتمتع فيه الفاسدون بحصانة غير معلنة.
أسئلة مشروعة نضعها أمام النائب العام والرأي العام. الصمت عنها إدانة:
من يدير اقتصاد السوق السوداء؟ من يملك سلطة إيقاف الوكالات الرسمية للغاز والمشتقات فجأة، وتشغيل شبكات التهريب فوراً؟ هذه معادلة لا يديرها تاجر رصيف.
من يفتح منافذ المدينة للسموم؟ كيف تدخل شاحنات الغذاء المنتهي والأدوية المهربة وتُباع علناً بلا رقابة جمارك أو صحة؟
من يحمي القتلة؟ لماذا لا يُدان طبيب واحد جنائياً منذ 2020 رغم عشرات الوفيات الموثقة؟ ولماذا تُحفظ 90% من شكاوى الأخطاء الطبية في أدراج المجلس الطبي؟
أين تختفي حصص تعز؟ إذا كانت كميات الغاز والنفط تصل حسب البيانات الرسمية، فلماذا لا تصل للمواطن؟ من يراقب خط سيرها؟
لماذا تُدفن التحقيقات؟ البلاغات عن اختفاء المشتقات، والأدوية المغشوشة، والأخطاء الطبية تملأ الأدراج. لماذا لا تُعلن نتائج أي تحقيق؟ الصمت الرسمي يغذي شبهة التواطؤ.
بقي السؤال الأهم الذي يخنق كل قلم حر: لماذا تتحرك الأجهزة ضد من يكشف الجريمة، وتتعطل أمام من يرتكبها؟
المطلب الشعبي الذي لا مساومة عليه:
نطالب النائب العام، وهيئة مكافحة الفساد، والجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة بـ:
1 - تشكيل نيابة متخصصة في الجرائم الطبية والاقتصادية بتعز، تبدأ عملها فوراً.
2 - فتح تحقيق قضائي علني وشامل في ملفات: توزيع الغاز، تهريب الأدوية والأغذية، الأخطاء الطبية القاتلة، وجرائم الإفلات من العقاب خلال عامي 2024 و 2025.
3 - إيقاف كافة الملاحقات القضائية والأمنية ضد الصحفيين والكتاب على خلفية قضايا النشر، وإحالة أي دعوى إلى نيابة الصحافة والمطبوعات حصراً.
4 - إشراك ممثلين عن نقابة المحامين والمجتمع المدني في لجان التحقيق لضمان الشفافية.
5- نشر نتائج التحقيقات للرأي العام خلال 30 يوماً، مع إحالة كل من يثبت تورطه للقضاء، كائناً من كان.
في نهاية القول: صمت المؤسسات بعد اليوم ليس حياداً، بل شراكة كاملة في الجريمة. تعز لا تموت برصاصة القناص وحدها. تعز تُقتل كل يوم بالجباية، بالإذلال، بالدواء المسموم، بالغذاء المنتهي، بالمشرط الخاطئ، وبتجارة الأزمات. تعز تُذبح بيد من يفترض أنه يحميها.
حسبنا الله ونعم الوكيل في كل من قصّر، وكل من تواطأ، وكل من تاجر بدماء الناس وكرامتهم.
"ولا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون، إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار"
والله غالب على امره"