آخر تحديث :الإثنين-19 يناير 2026-01:42ص

١٧ يناير ٢٠٢٢: اختبار الدولة وسقوط رهان الإرهاب

الإثنين - 19 يناير 2026 - الساعة 12:37 ص

ابتسام الكتيبي
بقلم: ابتسام الكتيبي
- ارشيف الكاتب


لا تُستعاد ذكرى الهجوم الحوثي الإرهابي الغادر على دولة الإمارات في 17 يناير 2022 بوصفها واقعة أمنية عابرة، بل باعتبارها لحظة كاشفة لمعنى الدولة في إقليمٍ تتنازعه الفوضى، ولمعنى الإرهاب حين يصطدم بنموذجٍ لا يُدار بالانفعال ولا يُختزل بردّ الفعل. كانت تلك الذكرى اختبارًا مزدوجًا: لا لقدرة الإمارات على الحماية فحسب، بل لقدرتها على الحفاظ على ذاتها السياسية والأخلاقية تحت التهديد.

استحضار هذه الذكري يعنى أولًا، أن الإمارات لم تُستهدف لضعفٍ فيها، بل لقوة نموذجها. فالدولة التي نجحت في الجمع بين الأمن والانفتاح، وبين التنمية والاستقرار، أصبحت نقيضاً مباشرًا لمنطق الميليشيات العابرة للدولة. الهجوم كان محاولة لفرض معادلة بديلة: نقل العنف إلى الداخل، وكسر الثقة، وإعادة تعريف المجال العام بالخوف. لكنه فشل في ذلك، لأن الدولة التي تُراكم شرعيتها بالأداء لا تُربَك بالصدمة.


لقد تعاملت الإمارات مع الهجوم الغادر بعقل الدولة لا بغريزة الثأر. كان الرد دقيقًا ومحدود الهدف: تحييد التهديد، حماية المدنيين، وضمان الاستمرارية. لم تُحوِّل الإمارات الحادثة إلى منصة استعراض، ولم تُغلق نوافذها على العالم، ولم تُقايض أمنها بقيمها. استمرّت الحياة، واستمرّ الاقتصاد، واستمرّت الدولة في أداء وظائفها الطبيعية. هذا السلوك ليس تفصيلاً تقنياً، بل تعبير عن فلسفة حكم ترى أن أقسى ما يمكن أن يُوجَّه للإرهاب هو حرمانه من قدرته على تعطيل اليوم التالي.


كشف الهجوم هشاشة الخط الفاصل بين الصراعات المحلية والتهديدات العابرة للحدود في الإقليم. لم يعد العنف محصوراً في ساحاتٍ "منسية"، بل بات مشروعاً قابلاً للتصدير متى ما اقتضت الحسابات السياسية للميليشيات. كما أعاد تسليط الضوء على كلفة التساهل الدولي مع الفاعلين المسلحين دون الدولة، حين يُتركون خارج معايير المحاسبة، أو يُعاد تدويرهم سياسياً تحت عناوين زائفة. في هذا السياق، مثّل 17 يناير إنذاراً إقليمياً: أمن المراكز الاقتصادية والمدنية بات جزءًا من معركة أوسع ضد شبكات العنف المؤدلج.


الربط بين الحوثي والإرهاب

الهجوم لم يكن سلوكاً استثنائياً، بل امتداداً منطقياً لمسار عنيف تبنّته هذه الجماعة منذ نشأتها: استهداف المدنيين، توظيف الصواريخ والطائرات المسيّرة خارج أي إطار قانوني، واعتبار العنف أداة تفاوض سياسية. هذه السمات ليست توصيفاً دعائياً، بل تعريفاً دقيقاً للإرهاب بوصفه استخداماً منظماً للعنف لتحقيق أهداف سياسية عبر بثّ الخوف. محاولة ضرب منشآت مدنية داخل دولة مستقرة لا يمكن فصلها عن هذا التعريف، ولا عن شبكة أوسع من السلوكيات التي تقوّض مفهوم الدولة الوطنية في المنطقة.


لم يكن 17 يناير يومًا انتصر فيه الإرهاب أو فرض منطقه، بل يوماً تبيّن فيه الفارق الجوهري بين منطق الدولة ومنطق الميليشيا. الأولى تمتص الصدمة وتحافظ على المسار؛ والثانية تراهن على الصدمة لأنها عاجزة عن بناء مسار. في هذا المعنى، لم تخرج الإمارات من ذلك اليوم أكثر صلابة فقط، بل أكثر رسوخاً: الأمن يُحمى بالعقل، والسيادة تُصان بالاستمرارية، والإرهاب يُهزم حين يُمنع من إعادة تعريف الدولة.