آخر تحديث :السبت-10 يناير 2026-11:34ص

في موت الفيلسوف مراد وهبه وأزمة الفلسفة.. "الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا"

السبت - 10 يناير 2026 - الساعة 01:33 ص

د. قاسم المحبشي
بقلم: د. قاسم المحبشي
- ارشيف الكاتب


الموت يحّول الكائن إلى ماهية بوصفه الحد الأخير للحياة وصمتها الأبدي وفي حضرة الموت تسقط كل التفاعلات والانفعالات والموقف والخلافات التي نعرفها في الحياة بين الاحياء من الفاعلين والفاعليات الاجتماعيين وبهذا المعنى نفهم القول الأثير( اذكروا محاسن موتاكم) فالموت هو هشاشة الحياة وضعفها ورغم التاريخ الطويل لحياة الإنسان على كوكب الارض وصراعه الدائم مع العجز والموت إلا انه ظل يجهل الاسباب المحتملة للموت ومعناه.

في الواقع تكتسب العلاقة بين الحياة الموت طبيعة مفارقة فولا الموت لما كان للحياة قيمة ومعنى ولولا الحياة لما كان للموت قيمة ومعنى. فكيف يمكن ستكون الأرض لو أن كل الكائنات الحية التي ولدت فيها وعاشت ظلت حيا إلى الأبد ولم تمت؟ فكم هي الكائنات التي ولدت ونمت وعاشت وماتت على هذه الأرض ؟ من المؤكد أن الحياة بدون موت ستختنق في مع الدفعة الأول. فمن بين ثمانية ميلون نوع كائن حي ولد وعاش على هذه الأرض لم يتمكن الإنسان من اكتشاف غير مليونا واحدا فقط من الكائنات الحية التي انقرضت معظمها وتطور بعضها بحسب قانون البقاء للأصلح. من المؤكد إن الكائنات التي ولدت وماتت في هذه الدنيا هي أكثر بما لا يمكن تخيله من الكائنات الحي في كل لحظة زمنية عابرة فالموت هو الحقيقة الوحيدة المؤكدة في هذه الكون. إذ أن كل ما نعرفه يمكن أن يكون نسبيًا أو قابلًا للتغيير إلا أن الموت يظل الحقيقة المطلقة. لكن ما هو الموت؟ وكيف نفهمه؟ هذا هو السؤال الذي استوقفي وأنا اقرأ موقف النخب الفكرية العربية من موت الفيلسوف المصري مراد وهبه جبر لاسيما ما كتيبته طالبته الدكتورة يمني طريف الخولي في منشورها الصادم للمقاوم والمشاعر إذ بدلا من التعبير عن حزنها ومواساتها برحيل استاذها كما قالت في المنشور ذاته وزميلها في الاكاديمية المصرية كتبت فيما (يشبه الفرح والتشفي) ودعت إلى عدم الترحم على المتوفي وطلبت من الله سبحانه وتعالى( أن لا يرحمه) وهذا المنشور الذي كشف عن مشاعر سلبية جدا للدكتورة يمنى تجاه المتوفي مراد وهبه وكلهما عرفناهما استاذة فلسفة اسبب لي بمشكلة حقيقة مع طلابي الذين قروا منشورها بنفس مشاعرها الايديولوجية التكفيرية. إذ كتب احدهم إذ كان مراد وهبه (صهيونيا) كما وصفتها يمنى الخولي ( فالله لا يرحمه) وكتب طالب أخر كان يبحث في فلسفة مراد وهبه العقلانية قائلا: "لماذا لم تخبرني يا دكتور قاسم إن مراد وهبه صهيونيا؟ وأشياء آخر وصلت بالغة التهدد والخطر. واود هنا أن اعترف لطلابي وطالباتي بانني عرفت مراد وهبه من كتبه وفلسفته كما عرفت الكندي والفاربي وحسن حنفي وأميرة حلمي مطر ولم اكن اعرف بتوجهاته الايديولوجية ومواقفه السياسية وهذه أمر لا يهمني أبدا فاذا حاكمنا الفلاسفة بهذا المنطق الفقهي التكفيري فمن المؤكد إننا سنغلق أقسام الفلسفة كلها في الجامعات العربية؟ ماذا كان دين سقراط مثلا؟ وماذا كانت توجهات هيباتيا الايديولوجية؟ ومن هو توماس كون وكارل بوبر يا دكتور يمني وما معتقدهما؟

هذا منطق خطير جدا ومدمر إذ بحثنا في مواقف الفلاسفة واتجاهاتهم الايديولوجية بما في ذلك ابن خلدون ذاته فسوف نحرق كتبهم ونرميها من النافذة😳 بالنسبة لي عرفت مراد وهبه كما عرفته من كتبه ولم اكن اعرف بتوجهاتها الايديولوجية إلا منك. نحن لسنا في باريس أو روما حتى نعبر عن مشاعرنا بهذا الطريقة يا أستاذة يمنى. اللغة تستر المشاعر ولو إن الناس كشفوا عن حقيقة مشاعرهم تجاه الآخرين لاستحالة الحياة إلى جحيم يا سيدتي ما كذا يكون المقال في مقام الموت الرهيب

والحياة المشتركة لا تكون ولا تدوم إلا بالفصل بين الوقائع والمشاعر بين الحقوق والتمنيات بين

الرغبات والممكنات كما اوضح الفيلسوف الفرنسي تزفيتان تودوروف في كتابه, الحياة المشتركة: بحث أنثروبولوجي 1995،إذ أشار إلى إن الإنسان كائن أناني ونفعي محض يهيمن عليه حب الذات والتفرد والاستحواذ ، وان اجتماعيته ليست طبيعة فطرية بل هي ثقافية مكتسبة بفعل الضرورة القاهرة التي جعلته بحاجة إلى وجود الآخرين"وتلك هي الفكرة الفلسفية التي أسست لمشروع الحداثة الغربية وحضارتها العلمانية المنتصرة اليوم, فكرة الفصل بين مجال الرغبات والشهوات الأنانية الفطرية المتأصلة في الطبيعة البشرية, ألـ(هو) المحكومة بمبدأ الليبدو, اللذة, حسب فرويد, ومجال العقل (أعدل الأشياء قسمة بين الناس) حسب ديكارت الأنا الواعية ألـ(هي) المحكومة بمبدأ الواقع, واقع العيش المشترك في المجال الاجتماعي العمومي المحكوم بالعقد الاجتماعي المدني حيث القانون سيد الجميع في حماية قوة الحق لا حق القوة.

إن العيش المشترك ليس حالة طبيعية قائمة على المحبة والعواطف والانفعالات، بل هو ضرورة مدنية تُحتِّمها المصالح المتبادلة، والالتزامات المتقابلة، والوعي بأن استمرار الجماعة البشرية مرهون بقبول التعايش وفق قواعد ملزمة للجميع. فلا أحد يحب جاره “لله في الله”، كما يُقال؛ إنما يقبل وجوده ويحترم حدوده، لأنه يعرف أن ذلك هو الضامن لبقائه هو نفسه، ولأمنه وسكينته.من هنا، تصبح السياسة في جوهرها أداة لتأمين هذا العيش المشترك: ليست أخلاقًا فردية، بل عقدًا اجتماعيًا حيًا يتجدد باستمرار عبر القوانين والمؤسسات. وعندما يغفل الساسة عن هذه الحقيقة، ويتعاملون مع السياسة كغنيمة أو وسيلة للهيمنة، فإنهم يهددون الأساس المدني الذي يقوم عليه المجتمع، ويفتحون الأبواب للاحتراب والفوضى.

إن إدراك معنى السياسة هو إدراك أن الشرعية تُبنى على الثقة لا على القهر، وعلى المشاركة لا على الإقصاء، وعلى المصلحة العامة لا على نزوات الأفراد. فالمجتمع السياسي ليس عائلة كبيرة محكومة بالعاطفة، ولا ساحة تجارية باردة محكومة بالربح الفردي، بل هو فضاء مركب يستند إلى موازنة دقيقة بين الحقوق والواجبات، الحرية والنظام، المصلحة الخاصة والمصلحة العامة. وعليه، فإن مسؤولية الساسة الحقيقية ليست في إرضاء الجماهير بالشعارات، ولا في إشباع غرائز السلطة بالتسلط، بل في صيانة شروط العيش المشترك ذاته: بناء دولة القانون، واحترام التعدد، وضمان العدالة، وترسيخ شعور المواطنين بأنهم متساوون في الكرامة والحقوق. السياسة بهذا المعنى ليست مجرد تدبير يومي، بل وعي فلسفي بحدود القوة وأفق التعايش. وكلما ابتعد الساسة عن هذا المعنى، فقدت السياسة روحها، وتحولت إلى أداة للهدم وتمزيق بدل من التنمية والتضامن المجتمعي.

في الأزمنة قبل الحديثة. حينما كان الناس يعيشون في تجمعات ومجتمعات تشبه كانتونات منعزلة ومعزولة كان لكل جماعة نمطها الثقافي والاجتماعي والاعتقادي إذ ترى ذاتها مركز الكون ومحوره. أما الآن وهنا وقد اُكتشف ما كان خلف الجبال وبينها ووسط الصحاري والخيام وفيما وراء البحار والمحيطات وبعد إن تعارف الناس واحتكوا ببعضهم في هذا العالم الأرضي الوحيد المتاح للعيش البشري وصار الإنسان ينظر إلى الكرة الأرضية من خارجها فمن المفترض أن يغير البشر نظرتهم القديمة إلى العالم وإلى أنفسم وإلى الآخرين وأن يتعلموا من تجارب بعضهم في إدارة شؤون حياتهم. وليس بمقدور أي جماعة أن تفرض نمط حياتها القديم على العالم الجديد مهما كانت قوتها وحجتها ومبرراتها. اما بالنسبة للموت والحياة فهي واحدة عند الجميع ولا أحد الكائنات الحية قادر على تجاوزه: كتب الفيلسوف الروسي الفرنسي نقولا بردييف قائلا: " انني لا اميل الى الخوف من الموت على نحو ما كان يفعل تولستوي على سبيل المثال، لكني شعرت بألم حاد ازاء فكرة الموت وبرغبة جامحة في اعادة الحياة لكل من ماتوا، وبدا لي قهر الموت المشكلة الاساسية للحياة، فالموت حدث اكثر اهمية وحيوية للحياة من الميلاد ذاته وبهذا المعنى نفهم العبارة ( الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا" إن الخبرة اليومية بالولادة والحياة والموت، لا سيما سر الموت ورهبته، دفعت الإنسان الى الاعتقاد في عالم سحري ملئ بالارواح وأشباح الموتى، كان الانسان مدمجاً بالطبيعة وكانت الاسطورة هي الافق الممكن للتفكير والمعرفة والحياة. ولم تكن ملحمة جلجامش الا تمثيلا لذلك الصراع الأزلي بين الموت ورغبة الإنسان في الخلود، "الإنسان الضعيف المغلوب المقهور في محاولته اليأسة التشبت بالوجود مدفوعاً بغزيرة حب الحياة والحفاظ على البقاء. سألت العرافة؛ ما الذي حملك على هذا السفر الطويل جلجامش؟: أجاب جلجامش: جئت لأسال عن(لغز الحياة والموت)... وعلام تهيم على وجهك في الصحارى؟أجابها: انه "انكيدو" صاحبي وخلي الذي احببته حبا جما لقد انتهى الى ما يصير اليه البشر جميعا فافزعني الموت حتى همت على وجهي في الصحارى...أيكون في وسعي الا ارى الموت الذي اخشاه وارهبه؟ فاجابته: "الى اين تسعى يا جلجامش" أن الحياة لابدية" التي تنشدها لن تجدها. حينما خلقت الالهة العظيمة البشر قدرت الموت علىيهم واستأثرت هي بالحياة الخالدة"


واليكم مقاربة متخيلة لكيفية يستبطن الفلاسفة والأدباء المعنى :

سقراط : هل تخاف الموت ؟

دوستويفسكي : لا، بل أخاف الزمن ..

سقراط : لا، تهتم هذا الوقت سيمضي ,,

دوستويفسكي : ولكن هذا الوقت هو عمري !

سقراط : معك حق إنه لن يمضي وحيداً ..

دوستويفسكي : وماذا يأخذ معه ؟

سقراط : ما نخاف فقده ، الموت لن يأخذ إلا ما تركه الزمن ..

دوستويفسكي : وأنت هل تخاف الموت ؟

سقراط : لا، بل أخاف الحياة ..

دويستويفسكي : ولماذا ؟

سقراط : لأن الرغبة في الحياة هي من يهزمنا , وليس الخوف من الموت ..

دويستويفسكي : فكيف نهزم تلك الرغبة ؟

سقراط : أن يكون في داخلك ما يتجاوز قيمة الحياة برمتها ..

دويستويفسكي : مثل ماذا ؟

سقراط : إيمان عظيم او حُب عظيم ..

وهذا هو ما فعلته الفيلسوفة المصرية أميرة حلمي مطر، إذ جعلت لحياتها وموتها معنى يحمل ذكرها الطيب. وهكذا ينبقي أن يكون موقفنا من رحيل الفيلسوف مراد وهبه جبران الذي ولد بتارخ 13 أكتوبر 1926 في القوصية، محافظة أسيوط، وتوفاه الآجل أمس في القاهرة بتاريخ 7 يناير 2026 عن عمر يناهز 100 عام، تاركًا أثرًا عميقًا في الفلسفة العربية والتنوير الفكري. المؤلم والمحزن أن يدرك المرء ، بعد فوات الأوان أنه : " ليس بإمكانه أن ينهل من النبع مرتين) فحين يغيض النبع ـ مرة وإلى الأبد ـ دون أن نغرف منه ؛ لا تتكشف الأسئلة الحارقة عن غياب سهولة الارتواء من النبع ؛ بل عن غياب الجدوى التي تضمر فقراً مخيفا ً ، وذهولا عن الانتباه لعابر هائل مر بنا" وكما يقول النفري: ( كلما اتسعت الرؤيا ضاقت العبارة ) لقد اتسعت الرؤية لدية ربما تكون حاصرته تلك التأويلات ، في هذه العوالم الخرساء ، وزمان النكوص " لكم تخذل المرء سيماؤه ، ولكم يجهل الناس ما يعرفون ، وهل أنت ، إلا الذي جهلوه"