دأبت الجماعة منذ تهجين ولادتها الأولى على اتخاذ المظلومية ذريعة ابتزاز مثالية ومطية ظهور وإقناع سلكتها في كل مراحلها وجولات صراعاتها، تعبر من خلالها لتحقيق غاياتها، وقد أفلحت بنسبة عالية في تحوير حقيقتها وتلبس دور الضحية وهي في قمة بطشها وجبروتها.
منذ ولوجها حلبة التحرش مع الكيان الصهيوني وهي تبحث عن مظلمة بشرية ملائمة وفدية ابتزاز ملائمة تثبت حقيقة تضحيتها مع غزة، وتنفي عنها تهمة تبعيتها لتعليمات طهران وتحكم الأخيرة بها في إطلاق كل الصواريخ على تل أبيب، أما الآن فإن الضربة الإسرائيلية التي استهدفت اجتماع حكومتها، وسقوط العديد من المسؤولين ضحايا في الهجوم فتلك الأمنية التي انتظرتها.
ستمضي الجماعة في إرساء مشروع صراعها مع الكيان في الذهنية العامة المحلية والإقليمية ونصب نفسها رأس حربة فيه حتى وإن كلفها ذلك الكثير من الخسائر، وبالأخص حين تحولت نقاط الاستهداف من منشآت إلى قيادات، وهذا سيفتح جحيمًا على صنعاء، لكن الأهم في هذا السياق هل ستستطيع المليشيات إخفاء قاداتها الحقيقيين ودوائرها الضيقة عن مثل هذه الهجمات، وستعمل على التضحية برموز سلطتها الشكليين الذين لا تأسف على فقدانهم، وستكمل لعبتها على هذا النسق أم أن الضرر سيلحق خاصتها وسيخلق ارتباكًا أمنيًا في صفوفها وسيجبرها على التراجع؟!
ستخفق النظرية الحوثية القائمة على فلسفة «كلما زادت الخسائر زادت المكاسب وترسخ الحضور»، فمهما كانت هذه الفكرة مجدية في سياقات أخرى لكن مع الكيان ستخيب؛ لأنه عدو أخطر من وعي الجماعة وأكثر صلفًا من حساباتها، ولن تقف استهدافاته عند هذا الحد، وإذا حققت ضرباته أهدافها الموجعة للقيادات فإنها ستتبع هذا المسار أكثر، وتتهور في التمادي حتى تطفئ حمق الحوثي نهائيًا وتخرجه من اللعبة.
لقد كلف هذا المنعطف الصراعي مع الصهاينة الجماعة خسائر فادحة؛ بينما هي ربما ظفرت بمكاسب سياسية وهمية مستنتجة حسب نظريتها السياسية الخاصة وأيديولوجيتها الكهنوتية ودورها الاستراتيجي ضمن قطب محور الممانعة المتصل بطهران، أما بحسب فلسفات الحروب ونظريات المعارك المنطقية فإنها تبدو حمقاء عسكريًا ولا وجه للمقارنة بين استراتيجية المعركة وأدواتها بينها وبين خصمها، فقد وضعت نفسها في موقف بائس حيث تكمن المفارقة أن طيشها الحربي المتحرش يتلقفه عدو متهور متوحش ويقابل الفعل الأحمق بردة فعل تدميرية تتجاوز حدود المتوقع.
المثير للاستغراب هو إصرار الجماعة على بقاء الحرب مفتوحة مع الكيان حتى وإن كانت قاسية، وإجبار اليمنيين في مناطقها على تحمل تبعاتها مهما كانت لا تطاق، بل واختزال مجمل سياستها في الداخل على هذه المشكلة _ كمن يخوض معركة بجنود مجبرين على القتال _ كغاية يجب أن يؤمن بها كل يمني، وليس له الحق في خوض استفسارات عنها، والثقة المطلقة بمن يقود هذه المعركة والثناء على بطولته دون تردد.
وفي المقابل ربما تعتقد أن بقاء اللعبة هذه قائمة قد ألغى مشروعية الشرعية اليمنية في قتالها كانقلاب أو زعم تحرير الدولة من قبضتها والرهبة من قدراتها العسكرية الفارقة، كما أن استمرار هذه اللعبة قد جعل السياسة الإقليمية والدولية تتخلى عن رغباتها وضغوطاتها في إنهاء الصراع الحوثي الداخلي مع الشرعية، كون المليشيات قد تفرغت لصراع إقليمي أكبر، كلها احتمالات تفسيرية تفكك التعقيدات الغامضة التي تحيط الجماعة نفسها في أقبيتها، باعتبار هذا الاحتمال _من وجهة نظرها_ الطريقة الأنسب لحمايتها من الزوال، وفي نسجها تشبيكات كثيرة من التأزمات فذلك حصنها المنيع.