آخر تحديث :السبت-04 أبريل 2026-01:46ص

إن شفت شيءٍ في طريقك وأعجبك شلّه

الخميس - 15 أغسطس 2024 - الساعة 11:03 م

د. قاسم المحبشي
بقلم: د. قاسم المحبشي
- ارشيف الكاتب


البارحة تذكرته الشاعر الفنان يحيى عمر

بينما كنت أسير في طريق محاذي للغابة قبيل مغيب الشمس بساعتين. كان الجو صحوا والسماء صافية وحرارة الشمس لاذعة. كان مقصدي الوصول إلى المدينة التي تبعد عن مكان إقامتي في الجهة اليسرى؛ سبعة كيلومترات وهي ثاني أقرب مدينة بالنسبة لنا. المدينة الأقرب Denekampe على يمن الكانب مسافة كيلو ونصف فقط. هي وجهتنا اليومية تقريبا فيها مسبح المدينة والمولات الكبيرة والصيدليات والمطاعم والمقاهي والفنادق والكنيسة ومحطة الباصات وغير ذلك. كل يوم تقريبا أسير اليها للتسوق أو السباحة أو النزهة بينما مدينة Ondenzaal التي تقع على يمين ضيعتنا الوارفة الظلال لم أزرها إلا بالباص 62 البارحة فقطت قررت السير اليها على الإقدام. سألت عبدالسلام على طاولة الطعام عن المدة التي تستغرقها المشية من هنا إليها ؟ قال: ساعة واحدة بالكثير⏱️ شجعني جوابه فتوكلت على الرحمن الرحيم. صعدت غرفتي لتبديل هدومي بما يتناسب مع المهمة الجديدة وعند الساعة السابعة مساءاً انطلقت في رحلتي لوحدي . كانت الشمس لاهبة وهي في طريقها إلى الغروب بعد ساعتين من الآن . قلت في نفسي ساعة بسيطة للذهاب إلى المدنية لاسيما وقد حاولت أكثر من مرة أنا أسير في ذات الممر الآمن المحاط بالأشجار العالية ولكنني كنت اعود من منتصف الطريق. كان مشروعا مؤجلا طبعا إذ أن فلسفتي في التعرف على المدن الجديدة تنطلق من الفكرة التالية ؛ إن اردت معرفة المدينة وفهم نبضها فليك إن تسير اليها وفيها على قدميك بشرط إن تكون بمفردك وتمنح كل كيانك للتعرف عليها بتفاصيلها الحميمية . فالمدينة أنثى ولكنها لا تبوح بزخم أنوثتها واسرار جمالها لكل عابر سبيل، بل لمن يستطيع الدخول إلى قلبها ويحبها ويتحسس نبضها ويفهم شفرتها. فكم هم أولئك الذين يعبرون المدن كما تعبر سحابة الصيف السماء؟ ذلك هو الشعور الذي ينتابني مع كل مدينة جديدة حملتني الصدفة اليها وأنا مغرم بالأشياء الجميل؛ طبيعة، طقس، غيم، مطر، بحر، جبل، مدينة صورة، فكرة، لوحة، قصيدة، أغنية، موسيقى، رواية، موقف، سلوك ، قيمة، ذكاء، خفة رشاقة، كلمة، معنى دال، مدلول دلالة، تصميم تشكيل، مؤسسة، ادارة ، دولة حكومة، سياسة، أي شيء جميل أحبه وبالنسبة للإنسان ذكرا كان أو أنثى؛ الجمال جمال الروح والعقل والضمير.
وليس هناك ما أمتع من السير في على القدمين في وسط غابة مرتبة بعناية لتوفير أقصى درجات الأمن والسلامة فضلا عن المروج الخضراء المتداخلة معها بمساحات شاسعة جدا بالنسبة لمن ولد وعاش في بلاد المدرجات الزراعية المعلقة في قمم الجبال الوعيرة مثلي، فضلا عن قطعات الماشية التي لم اراها إلا في مسلسلات الأطفال زمان ومنها؛ بيل وسبستيان؛ جواميس مرقطة وخيول مسومة وماعز وضان وعزلان وبغال وأرانب رايتها ترعى بهدوء وأمان على جانبي الطريق إلى أوزندال. كانت درجة الحرارة في أقصى ارتفاع لها البارحة إذ بلغت في ضيعتنا 31 درجة مئوية. مضيت في طريقة لمدة نصف تحت أشعة الشمس الحارة واحبب مشاركة أحد اصدقائي الاعزاء بهذه التجربة المثيرة. فعلت البيانات واتصلت جوجل ميت وأطلعته بالصورة والصورة على ما أنا فيه من. قال لي: بحسب العادة ( سبحان الله العظيم وبداء يقرأ لي آيات من القرآن الكريم التي تعبر عن نعم الله وقدرته العظيمة؛ آيات واحاديث نبوية شريفة تتحدث عن الفرق بين بلاد الحسدة وبلاد الكفرة😳
قلت له: دعك من هذه المحفوظات المعلبة شاهد آيات الله على الطبيعة وهي تتنضد أمام عينيك مباشرة وفي اثناء محادثتنا اضطرب الطقس فجأة وتغير 180 درجة، غيوم سوداء مع رياح عاصفة، تكاد تقتلع الاشجار من جذورها ، وخلال عشرة دقائق فقط هطل المطر بغزارة مع رياح شديدة. حتى حركة السيارات توقفت. كادت قوة الريح توقعني أرضا لولا أنني احتضنت جذع شجرة عالية جدا. ندمت لعدم آخذي مظلتني في هذه الجولة المسائية ولكنها والحق يقال لم تخطر على بالي أبدا منذ صباح أمس المتميز بسطوع الشمس طوال النهار. وانا أتدبر أمري مع الريح والمطر والعاصفة اعدت التفكير بما قاله لي صديقي عن آيات الله الحامدين والكافرين فأدركت إن الآيات الحقيقة ليس نصوصا يمكن حفظها وترديدها حينما نشاء بل هي تلك الطبيعة وظواهرها المثيرة التي خلقها الله لتنتفع فيها الكائنات الحية في هذا الكوكب ومنها الإنسانية وقد وجدت إن أهل هذه البلاد من الشاكرين والمقدرين لنعم الله وأفضاله عليه بما لا يقاس في بلاد المسلمين العرب ويتمثل ذلك بسعيهم الذي لا يكل ولا يمل من تحويل آيات الله إلى خيرات ونعم يستفاد منها الناس في هذه الحياة الدنيا ولو أنه قعدوا مثل يرددون الآيات القرآنية والأحاديث النبوية مع كل غيمة عابرة في السماء أو كل قطرة مطر أو كل برق لمع أو كل فيضان جارف لما تمكنوا أبدا من تحويل هذه البلاد المغمورة بالمياة والأحراش الهائلة إلى دولة تعمل بسلاسة ونظام وأمن وآمان مثل الساعة. وهذا هو معنى الآية (فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض) الرعد17 فحيثما ترى شيء ينفع الناس في حياتهم هنا في هذه الدنيا الأرضية فاعلم أنه طيب ( الكهرباء والماء والسيارات والطائرات والسفن والمزارع والمصانع والجسور والتلفون والإنترنت وكل شئ استفاد منه الناس بما في ذلك المطر والعسل والماء فما في ذلك البحر الذي فيه السمك وفيه منافع للناس بحسب آخر الاكتشافات العبقرية اليمنية. دعونا من هذه .. المهم مع اضطراب الطقس وهبوب الرياح العاتية المصحوبة بالمطر الغزير.احسست بمشاعر مزدوجة؛ شعور بالمتعة والأثارة من تلك التجربة التي أعيشها لأول مرة في حياتي وشعور بالرهبة والخوف من الليل الذي آخذ يقترب بسرعة بعد أن حجبت الغيوم المتراكمة ضوء الشمس وهي في طريقها إلى المغيب؛ لحظة باذخة الجمال لم اتركها تضيع مني أبدا. التقطها بسرعة ونظرت إلى الاتجاه الآخر فشاهدت قوس قزح كما خلقه الله للتو. مشهد جليل جميل يسلب اللب! وانا مندمج بهذا الموقف المهيب احسس بطاقة إيجابية دافعة لمواصلة السيرة باتجاه اوزندال الموعودة. كنت أتفحص أي شيء في طريقي ولكنني ( لم أشله ) كما نصح شاعر وفنان الجزيرة العربية يحيى عمر اليافعي ( إن شفت شيء في طريقك وأعجبك شله) شفت حاجات حلوة جدا عجبتني ولكنني لم أفكر بشلها أبدا😍 من الأشياء التي شدت انتباهي شاهد قبر مكتوب عليه نص يرقد هنا العاشقان توم دامهوس وجيرار مونيك منذ عام 1936م. وقفت لتأمله والتقاط صورة له. كان الوقت مع لحظة المغيب حيثما شاهدت قطيع الجواميس الهولندية وهي تستعيد نشاطها بعد المطر. منظر ولا بالخيال ذكرني بالحليب الهولندي الذي كنت أحبه منذ طفولتي إذ لم أنسى أبدا كيف كنت أتحين الفرصة لآخذ مفتاح الدكان من أمي والتسلل بهدوء إلى المخزن وعب بودرة الحليب ال نيدو نستله عبا مع ابتلاع معلقة سمن عدني! كنت طفلا. المهم وانا اشاهد قطيع الجواميس المرقطة في مرجها الحاني تذكرت عبارة قالها لي صديق عزيز من أم الدنيا، قال: إذا كانت مصر أم الدنيا فأن هولندا هي أم الأخوة الإنسانية؛ إذ كلنا رضعتها من حليبها🐂 دخلت المدينة وقلت بسم الله! كما نصح شاعرنا يحيى عمر. كانت تقترب من التاسعة والشمس قد اوشكت على الأفول وبومة نيرفا تطلق جناحيها للريح! بحسب هيجل. أسرعت الخطى لغرض في نفس يعقوب😹 ولكن مدخل المدينة طويلا جدا لم اتمكن من الوصول إلا المدينة إلا مع التاسعة والنصف وربما تعرفوا ماذا يعني أن يحل عليك الظلام وأنت تسير وحدك في مدينة تجهلها. كنت منهكا من السير المتواصل لمدة ساعتين ونصف واشعر بالعطش الشديد الذي تضاعف مع الاحساس بأنتي ضعت ولم اعد اعرف أين الطريق إلى محطة الباصات. إذ يستحيل العودة سيرا على الأقدام. سألت سيدة كانت بصحبة كلبها عن محطة الباصات. اشارت لي باتجاه الطريق الذي يتعين عليا السير فيه. شكرتها وذهبت وبعد نصف ساعة وجدت المحطة فتنفست الصعداء واستعاد ريقي جريانه بعد أن كاد يجف من التعب والرهبة. وسلامتكم