آخر تحديث :الخميس-18 يوليه 2024-08:22ص

نعم للأفراح والآمال ولا للتعصب والانغلاق

الأحد - 23 يونيو 2024 - الساعة 12:32 ص

د. قاسم المحبشي
بقلم: د. قاسم المحبشي
- ارشيف الكاتب


فيما يشبه الدعم الأدبي لمهرجان إحياء التراث
الشعبي؛ الشعر الشعبي روح يافع وحنينها

لعل أهم ملمح لخصوصية الحياة الثقافية للمجتمع اليمني هو ذلك التعدد والتنوع الخصيب في الأنماط الثقافية اليمنية، فحيث ما وليت وجهك في وطننا يمكنك العثور على الجديد والمثير والمدهش في حياة الجماعات المحلية في مختلف المحافظات والأقاليم والمناطق الجغرافية. تنوع جميل ومثير في العادات والتقاليد في الفنون والقيم، في أنماط البناء واللهجات والطقوس والزي والرقص والغناء والحرف والمحاصيل. فالزائر لصنعاء يجد فيها ما يثير دهشته، والزائر لعدن يجد فيها ما هو مختلف وغير مألوف، والزائر لتعز يستمتع برؤية ما لم يشاهد في أي مكان آخر. وهكذا الأمر في حضرموت وغيرها من المدن والمحافظات الأخرى. بل أن هذا التنوع المتناسق للبنيات الثقافية المحلية يمكنك ملاحظته في المحافظة الواحدة فقط، ففي مثلاً تلك المنطقة الممتدة من باب المندب حتى البيضاء هناك تنوع يثير التأمل بين الجماعات المحلية التي تقطن مديرياتها، تنوع ثقافي ممتع، نمطين فنيين أصيلين هما الفن اليافعي واللون اللحجي، وثمة اختلاف في الفنون والعادات الأخرى في الشعر والأدب وغير ذلك.
ويافع كمنطقة جبلية تتميز بخصائص جغرافية واجتماعية وثقافية فريدة، وربما كانت السمة البارزة التي تنفرد بها هذه المنطقة تكمن في ذلك الحضور الكثيف للشعر الشعبي، ولا أعتقد أن هناك أي منطقة أخرى في اليمن تمتلك هذا العدد الكبير من الشعراء الشعبيين، فلا تخلو قرية صغيرة في يافع من وجود شاعر أو شاعرين ينظمون الشعر والزامل، بل أن بعض القرى الصغيرة تمتلك من الشعراء الشعبيين المشهورين في يافع وربما خارجها. ففي يافع مئات الشعراء منهم وأبرزهم فارس الشعبي اليمني المرحوم شايف محمد الخالد والشاعر المخضرم ثابت عوض اليهري والمرحوم سالم محمد المحبوش وقاسم عوض وسعيد يحيى المحبوش، وهناك كثير من الأسماء لشعراء مشهورين في الماضي والحاضر مثال راجح بي هيثم سبعة، وعثمان السليماني، وحسين عبيد الحداد، وعاطف غرامة عبيد،، وبن شيهون، والكهالي والمفلحي ومحسن صالح اليافعي، وبن عسكر، وغيرهم.لقد كان الشعر الشعبي في الماضي والحاضر هو روح يافع وحنينها. وإذا قيل أن الشعر ديوان العرب، فيمكننا القول بأن الشعر الشعبي ديوان يافع، بل أن الشعر الشعبي اليافعي بات يشكل ظاهرة ثقافية طاغية وملفتة للانتباه وجديرة بالبحث والدراسة. ولعل هذا هو ما حفز المستشرق الأمريكي (فلاج ميلد) على دراسة الشعر الشعبي اليافعي كنموذج أساسي لبحثه في الشعر اليمني، حيث أمضى هذا المستشرق في يافع ثلاث سنوات متواصلة تنقلها بين المناطق والقرى باحثاً عن القصائد القديمة والجديدة، مسجلاً كل ما يسمعه من زوامل ومقطوعات شعرية وأمثال شعبية بما مكنه من جمع مادة غنية وغزيرة لم يسبقه إليها أحد.
وفي حوارات كثيرة أجريتها معه استفدت معارف وأفكار جديدة حول ظاهرة الشعر الشعبي كنسق ثقافي محلي ينطوي على بنية زاخرة بالدلالات والمعاني والأبعاد التي تكشف عن الروح الأصيل للمجتمع المحلي وقيمه وأفكاره وتصوراته وأوهامه وموقفه من نفسه ومن الآخرين، وسيكولوجيته وأحلامه وأساطيره وديناميكيته وكثير من الثيمات المتخفية خلف كثافة الحياة الظاهر.
وهذا ما عبر المفكر الأنثروبولوجي (هوتيمان) بقوله: "أن الأدب الشعبي ينبعث من عمل أجيال عديدة من البشر، من ضرورات حياتها وعلاقاتها، أفراحها وأتراحها، آمالا وأحلامها، وأما أساسه العريض فغريب من الأرض التي تشقها الفؤوس، وأما شكله النهائي فمن صنع الناس المغمورة المجهولة أولئك الذين يعيشون لصق للواقع".
وفي الحقيقة لم يكن الشعر الشعبي اليافعي إلا تعبيراً عن مكنونات النفس ودخائلها نبع من الممارسة اليومية الحية المباشرة للعيش في كنف هذه البيئة الطبيعية القاسية، ففي هذا النمط الثقافي أودع أهل يافع خبرتهم ومعرفتهم للحياة وتصوراتهم عنها في سياق ممارستهم المستمرة وصراعهم الأزلي معها، ففي هذا الشعر تظهر آثار أنماط السلوك والعادات وطرز العلاقات التي تربط بينهم، وتذوقهم الجمالي وقيمهم الأخلاقية وما يؤمنون به من معتقدات وأساطير وما يطمحون إليه من أحلام وآمال ورغبات، وطرق تخاطبهم مع بعضهم البعض ومع الآخرين، وطبيعة الأحداث التي مروا بها ووعيهم الذاتي لتاريخهم.
وأن الشعر الشعبي هو الملحمة الشعبية التي تروي سيرة حياة يافع وأهلها بكل تفاصيلها، حيث تكشف القصيدة بطريقة لا شعورية عن عواطفهم وأفكارهم وحاجاتهم وأوهامهم وآمالهم وتعبر تلقائياً عن توافقهم مع البيئة التي تحيط بهم وحروبهم وانتصاراتهم وأفراحهم وأحزانهم، حبهم وكرههم، غضبهم وسرورهم، أنه أي الشعر الشعبي أغنية الأرض المنتزعة من أرضها.
ففي هذا الشعر النابع من أعماق الحياة اليومية يمكن للباحث أن يرى كيفية تعامل الناس هنا مع الحياة والموت، مع الزمان والمكان، مع الخير والشر، مع الحب والكره، مع المرأة والمطر، مع الوطن والقبيلة، مع الصديق والخصم، فهو مستودع الروح وحافظ أسرارها. وتكشف رموز الشعر اليافعي حقيقة الروح الثقافية لسكان هذه المنطقة الجبلية القاسية، ولما كانت يافع بحكم طبيعتها الصلبة والغليظة والجافة، إذن فهي في عطش دائم للمادة السائلة، في شوق متلهف للماء. ويلاحظ القارئ للشعر اليافعي أن المادة السائلة تتكرر دائماً في القصيدة اليافعية، فنادراً ما تخلو قصيدة شعبية في ذكر شيء سائل، غيث مطر، سيل، ممطر ورد، قهوة.. الخ. المهم هناك عنصر سائل دائم الحضور في مفردات القصيدة سواء كان مباشراً أو رمزاً، ألا يعيد ذلك عن التوق اللاشعوري للخصب والماء في بيئة يغلب عليها الجدب والجفاف الدائم.
وأن استنطاق القصيدة اليافعية والبحث في رموزها يجلي البيان عن أصالة الروح الثقافية المحلية المميزة للذوق والنكهة.
إن يافع لديها تراث عريق في الشعر والأمثال الشعبية والموسيقى، ومن بين أكثر أنواع الشعر أهمية في يافع يمكن الإشارة إلى الأنواع التالية: شعر الحنو والشفقة، شعر الحب والغزل، شعر الفخر والحماسة، شعر الحكمة والموعظة، شعر التصوف والروح، وشعر الحنين إلى الوطن.
ويتميز الشعر الشعبي اليافعي بتنوع أغراضه واختلاف مهامه في الماضي والحاضر، حيث يمكن رؤية جملة من المتغيرات التي حدثت على البنية الكلية للشعر اليافعي من الماضي إلى الحاضر، وهذا يعود إلى اختلاف ظروف الحياة الاجتماعية وتغيرها من عصر على آخر، أما من حيث شكل القصيدة فيمكن القول بأنها حافظت على طبيعتها التقليدية العمودية.
أن الوظيفة التي كانت للشعر في الماضي هي التي ساعدت على احتلاله هذه المكانة المتميزة في قلوب اليافعيين منذ القدم، حيث كان يؤدي وظائف عملية حيوية متنوعة، فقد كان حتى وقت قريب أفضل وسيلة للتخاطب بين الناس، فهو وسيلة إبلاغ، وإعلان للمواقف، كما أنه وسيلة لتبادل التهاني أو للتعبير عن الغضب، وكثيراً ما سمعنا عن الحالات التي كان لبيت واحد أو بيتين من الشعر دوراً حاسماً فيها سلباً أو إيجاباً، فيمكن للشاعر أن يثير فتنة أو يطفيها، وكثيراً ما خدم الشعر في حل المشكلات الاجتماعية المستعصية، كقضايا الثأر والحروب القبلية. هذه الوظيفة الحيوية للشعر كانت سبب رئيسي لازدهاره في يافع، وكما أن الحوار بين الناس والسجالات الحامية بين الشعراء الشعبيين في الأعياد وأفراح الزواج والمناسبات الجمعية كان لها دور أساسي في شيوع الشعر في يافع وانتشاره الواسع بين الناس كمكون أساسي من مكونات ثقافتهم.
وقد ساعد الكاسيت على انتشار الشعر الشعبي اليافعي في عموم الوطن اليمني كله والجزيرة العربية، فلا تخلو مدينة يمنية من وجود أشرطة الشعر الشعبي اليافعي.
إن تقاليد الثقافة الشفاهية هي التي تفسر هيمنة الكلام المنظوم في نختلف فنون القول الشعبية، حيث نلاحظ أن البنية الشعرية تتحكم بنمط واسع من الأنماط الثقافية الأخرى في يافع، ومن ذلك يمكن الإشارة إلى الزامل والمحازي والأمثال والتهاليل الدينية.
الزوامل أحد أشكال فنون القول المنظوم وأكثر تأثيراً في حياة الناس، وعادة ما يرتجل الزامل من وحي اللحظة ليعبر عن طبيعة المقام. وللزامل وظائف متعددة في يافع من شحذ الحماسة أو الدعوة إلى لعمل والحرب وفك النزاعات والخصومات بين المتخاصمين، أو إثارة مشاعر الجماعة وشحن طاقاتها الانفعالية… الخ.