آخر تحديث :الإثنين-24 يونيو 2024-01:00ص

من ذكريات المغرب والتفرغ العلمي عام 2013م

الثلاثاء - 11 يونيو 2024 - الساعة 12:09 ص

د. قاسم المحبشي
بقلم: د. قاسم المحبشي
- ارشيف الكاتب


توجد في المملكة المغربية ١٤ جامعة حكومية وعدد من الجامعات والتكوينات الخاصة وتعد جامعة سيدي محمد عبدالله فاس من أهمها تأسست في ١٧ أكتوبر ١٩٧٥م في مدينة فاس، تحتوي على عشر كليات تخصصية وعدد من الكليات المتعددة التخصصات. نظام التعليم فيها هو تعليم جامعي عمومي. عدد طلابها ٧٤٠٤٢ يتخرج منها سنويا ٣٤٢٥، تظم ١.١٢ استاذا. وتتميز الجامعات المغربية بنظامها الأكاديمي والاداري المستقل نسبيا، إذ يخضع نظام اختيار روؤساء الجامعة وعمداء الكليات لعملية مفاضل أكاديمية صارمة، فيما يسمى بنظام المشاريع الممكنة التنفيذ وذلك كل أربع سنوات. حيث يتقدم كبار الاستاذة الراغبين في منصب رئيس الجامعة أو عميد الكلية لتقديم مشاريعهم المكتوبة الى هيئة مستقلة من الخبراء الأكاديميين المتخصصين لفحصها وتقييمها واختيار أفضل ثلاثة مشاريع بوصفها أجودها تتم عملية القرعة بينها ومن يفوز بنظام القرعة عليه الشروع بتنفيذ مشروعه الهداف الى تطوير المؤسسة المعنية وإداراتها وتنميتها وتفعيلها اداريا وفنيا وأكاديميا ويتحمل المسؤولية الكاملة عن أي اختلالات أو تقصير يحصل. وقد علمت من السيد عميد كلية الآداب والعلوم الإنسانية ظهر المهراز بفاس الأستاذ عبدالاله بمليح أن هذا النظام يسري على أختيار روؤساء الأقسام العلمية في كل كلية من كليات جامعة سيدي محمد عبدالله. ومن مؤشرات النجاح في ادارة الأقسام العلمية والكليات والجامعة يعد الإنتاج الفكري العلمي الأكاديمي السنوي لاعضاء الهيئة التدريسية هو أهمها واحد معاييرها فضلا عن الشفافية المالية والإدارية في صرف الميزانية المخصصة للمشروع. ومن خلال اطلاعي وقرأتي لبعض منتجات العلم والفكر والأدب الآتية من بلدان المغرب العربي، شعرت بالرغبة لزيارتها والاطلاع عن كثب على تجربتها الأكاديمية المتميزة، إذ عقدت العزم على البحث عن فرصة ممكنة لتلبية هذه الحاجة، فاغتنمت فرصة حق التفرغ العلمي المستحقة، فكانت المغرب هي وجهتي المفضّلة، وكان لي ما أردت. إذ تمكنت في سبتمبر عام ٢٠١٣م من الوصول الى المملكة المغربية، بغرض التفرغ العلمي، بجامعة سيدي محمد عبدالله، ظهر المهراز. بفاس، كلية الآداب والعلوم والإنسانية، بعد مراسلات استمرت أكثر من عام بتعاون الصديق العزيز الدكتور أنيس ثابت عثمان الردفاني الذي كان يحضر أطروحة الدكتوراه في ذات الكلية تخصص الإعلام الجديد، إذ لم تخني الذاكرة!

ذهبت من مطار كازبلانكا مباشرة الى فاس بالقطار، وفِي اليوم التالي اصطحبني الدكتور أنيس الى الجامعة والكلية وقابلت السيد عميد كلية الآداب والعلوم الإنسانية ظهر المهراز الأستاذ الدكتور عبدالاه بلمليح الذي استقبلني بحفاوة طيبة. وقد حرصت أن اهدي له شعار جامعة عدن الذي اشتريته من ادارة جامعتنا خصيصا لهذا الغرض، بوصفه مدخلا للتعريف بالمؤسسة الأكاديمية التي قدمت منها. كان ذلك بحضور الأستاذ الدكتور مفضل الكنوني استاذ الأدب والنقد الأدبي ورئيس نقابة المعلمين في الكلية والدكتور أنيس ثابت عثمان.
هناك في فاس الجميلة طاب لي المقام برفقة الدكتور أنيس ثابت عثمان الردفاني الذي كان يحضر أطروحته الدكتورة في الاتصالات الرقمية وهو اليوم ملحقًا ثقافيًا في تونس الخضراء كما علمت. استقبلني عميد الكلية الاستاذ الدكتور عبدالإله بلمليح بحفاوة طيبة ومنحني رسالة لرئيسي قسمي الفلسفة والتاريخ بشأن عمل برنامج لتفرغي العلمي لديهما. ذهبت إليهما واتفقنا على دخول محاضرات مع طلاب الدراسات العليا وطلاب البكالوريوس. في أحد الأيام كنت مدعوًا لالقاء محاضرة على طلبة سنة رابعة بكالوريوس في قاعة كبيرة تتسع لمئة طالب وطالبة. ذهبت في الساعة العاشرة ودخلت القاعة وكان رئيس القسم في استقبالي. دعاني للمنصة للحديث عن كتابي في فلسفة التاريخ. ثم قام بتعريف طلابه بالزائر الجديد. شكرته وحييت الطلاب والطالبات في القاعة كانت مكتظة بالحضور الجميل جدا. عدد الطالبات اكثر بكثير من الطلاب. ثم بدأت اتحدث عن الكتاب ومحتوياته. وبينما أن نطقت بكلمة أن هذا الكتاب حوى على خمسة فصول فإذا بالقاعة تضج بالضحك. احسست بالحرج الشديد وكررت العبارة بصيغة أخرى قائلا: أن الكتاب يحتوي على مقدمة وخمسة فصول وخاتمة وزاد الهمس واللمز في القاعة فأخذ العرق يندح من جبيني في عز الشتاء رغم جهود الاستاذ رئيس القسم ومحاولاته المتكررة بالتهدئة. سألتهم؛ هل تفهموا لهجتني ردوا بالإيجاب.ثم همس الاستاذ بأذني لا تستخدم كلمة حوى ويحوي ويحتوي، لها دلالة مثيرة في المغرب. فهمت المعنى وتجاوزت المعضلة واستمرت المحاضرة لمدة ساعة ثم فتح الباب للنقاش. أدهشني حماس الطلبة وأسئلتهم الذكية. للهجات العربية المختلف حكايات وحكايات. بعد شهرين من العمل والدوام في الجامعة جاء موعد العيد. ربما كان عيد الاضحي كما أعتقد وللاضاحي في المغرب العربي طقوس وعادات لم أرى مثلها في أي بلد أخرى. إذ يعد الكبش أهم رمز من رموز الاحتفالات العيدية ويتم ربط الكباش في بلكونات الشقق أو صالونات الفلل قبل أيام من الذبح حيث يتنافس السكان ويتفاخرون بالكباش السمينة كما يتفاخر أهل اليمن بالأعراس والجنابي. هناك في المغرب سنحت لي الفرصة أن ارصد تلك التظاهرة الثقافية بعيون أنثروبولوجية. ومن حسن حظي أن وجدت بعض الأصدقاء في سلا وفي الرباط وفي كازابلانكا الدار البيضاء وهي أجملها وافخمها. اغتنمت فرصة اجازت العيد وحزمت امتعتي من فأس إلى مكناس ومن مكناس إلى سلا وفي سلا التي تشبه اسمها امضيت ثلاث أيام قبل العيد ثم رحلت إلى كازابلانكا حيث دعاني صديق عبدالله ابن أخي وزميل دراسته في الصين مهندس وتاجر جوالات من تعز الحانية اسمه عبدالله الحميري. ذهبت بحسب العنوان إلى شارع السبع شوانط في قلب المدينة الزاخرة بالحركة والحيوية والفرح والجمال. استقبلني في شقة بالغة الجودة والفخامة وحدثني أنها شقة عمه الذي عاد إلى اليمن مع عائلته أجرها بألف دولار أمريكي. شقة مساحتها ٢٥٠ متر. وتقع على منطقة متوسطة من ساحة مراكش والميناء وشاطئ عين الدئاب أجمل شواطىء المغرب السياسية حيث توجد مكتبة الملكة عبدالله بن عبدالعزيز أكبر مكتبة حديثة في المغرب كما علمت. وصلت هناك الساعة الثانية ظهرًا وضعت أمتعتي في غرفتي وغيرت وطلبت من الشاب عبدالله الحميري مصاحبتي إلى شاطئ عين الدئاب على المحيط الأطلسي. ركب المترو وفي الخامسة عصرًا وصلنا عين الذئاب. مشهد خرافي حينما ترى لأول مرة المحيط الأطلسي في ساحل يعج بالسياح والخيول من كل شكل ولون. أول ما شاهدت الأمواج. قفزت للبحر دون تمهل. وكادت تأخذ موجة مرتدة لو أنني أجيد السباح. صديقي لا يحب البحر اعتذر وعاد إلى الشقة بعد أن كتبت لي بورقة صغير معالم طريق العودة وحذرني من خطر التوغل في البحر إذ كان الموسم حينها موسم عواصف وأمواج عاتية. بعد الضربة الأولى التي نجيت منها بصعوبة أخذت حذري وبقيت بالقرب من الساحل. تمنيت أن يطول النهار ولكنه كان على وشك المغيب. واصلت السباحة حتى مغيب الشمس ثم طلعت وركبت الخيل وعدت إلى شقتي بحيوية ومشاعر إيجابية.
كان اليوم الثاني هو يوم العيد. سألت عبدالله ماذا سيكون عيدنا؟ قال لي أنت ضيف عندي ولا تهتم بهذا ما دمت عندي. صباح العيد ذهبنا للصلاة في مسجد المدينة. وعدنا فإذا ببعض بسكان العمارة في انتظارنا لاداء تحية العيد
ثم عدنا إلى الشقة للتواصل الهاتفي مع الأهل وفي تمام الساعة الواحدة ظهرا سمعت طرق على الباب فتحت الباب فإذا برجل ستيني يرتدي الزي المغربي التقليدي يمد لي بصحن مغطى قائلا: هذه وجبة الكسكسكي المغربية الأصلية وعيدكم سعيد. بادلته التحية العيدية وشكرته ودعيت عبدالله للنظر في الأمر ابتسم وقال لي: تلك عادات أهل المغرب في الأعياد رفعنا الغطاء فإذا بوجبة شهية كريمة هنية مطبوخة بعناية وجودة عالية من القمح المهروش الزبيب والخضار وقطعتي لحم من الفخ وبيت الكلى. من أشهى الأكلات التي ذقتها في المغرب العربي وهي أشهر الوجبات المغربية " الكُسْكُس أو الكُسْكُسِي (ينطق سكسو أو كسكسو والطعام في الجزائر في المغرب وشرق ليبيا، كُسْكْسِي في تونس و غرب ليبيا)، هو طبق أمازيغي ضارب في التاريخ. يصنع من طحين القمح أو الذرة في شكل حبيبات صغيرة، ويتناول بالملاعق أو باليد. يطبخ بالبخار ويضاف إليه اللحم، أو الخضار، أو الحليب، أو الزبدة والسكر الناعم حسب الأذواق والمناسبات" ومنذ ذلك اليوم وأنا أحب الكسكسي واشتهيه وجدت ما يشبهه في الجزائر ولكن ليس بجودة المغربي. ولا اعلم كيف يتم طبخه في مصر وتونس وليبيا ولكل ذوق ما يشتهي. ورغم أن الكسكسي طبقا شهيا ولكنها لا يضاهي المظبي اليمني. ولست بحاجة إلى القول بأن الفرح بفوز الفريق المغربي في مونديال قطر الليلة هو الذي ذكرني بالمغرب وأيامها الجميلة. ومن يزور المغرب لن ينساها ابدا. ذكرياتها تبقى كالوشم في العقل والوجدان والحنين وجع الذاكرة.