آخر تحديث :الأحد-23 يونيو 2024-04:04ص

النساء والتعليم من النسيان إلى التمكين

الأحد - 26 مايو 2024 - الساعة 01:36 ص

د. قاسم المحبشي
بقلم: د. قاسم المحبشي
- ارشيف الكاتب


ملخص ورقتي في ملتقى القيادات العربية ورواد المجتمع

يعد التعليم أهم المؤسسات الحيوية المخولة بإعادة إنتاج المجتمعات وتمكينها وتطويرها بما تقوم به منوظيفة تكوّن الأجيال الجديدة بتربية وتنمية العقول ونقل الخبرة وحفظ المعرفة وتداولها، وذلك بحسب رؤيةفلسفية مدركة أو مضمرة عن النخبة المعنية بأمر تسويس المجتمع وتدبيره. والمؤسسة التربوية التعليمةهي تكوينية بالأساس، إذ تنهض بمهمة تصميم وتشكيل وتمكين النمط الثقافي المرغوب في مجتمعٍ منالمجتمعات وقد كان سؤال التعليم في كل زمان ومكان هو ماذا نريد أن نكون؟ والمرأة هي مصدر ومحوركل تنمية اجتماعية وثقافية ممكنة ولا تنمية مستدامة بدون تمكين المرأة وإشراكها الفاعل في مختلف مجالات الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية فالتنمية شراكة مجتمعية والمرأة هي وطن الأوطان كلها إذ هي أول منازل الكينونة المشمول بالأمن والأمان والرعاية والرضاعة والحب والحنان والحبيبة والحضن الدافئ والسكن الحميم ثاني منازل الحب والإشباع والاستقرار والإنجاب هذا فضلًاعن مكانتها المحورية في تشكيل الخلية الاجتماعية الأولى للمجتمعات أي العائلة وما تنهض به من ادواراجتماعية متعددة منها: دور الزوجة ودور الأم ودور الجدة ودور الأخت ودور البنت ودور الحفيدة ودورربة البيت ودور المربية ودور المعلمة ودور الراعية و دور المهندسة ودور المزارعة ودور المديرة ودور الاستاذةودور الباحثة ودور العالمة ودور العميدة ودور الطبيبة وغير ذلك من الادوار الاجتماعية التي تضطلع بهاالمرأة في المجتمعات الحديثة واهميتها التنموية المستدامة. وقد كان التعليم هو المجال الذي منح المرأة مكانتها المستحقة في العصور الحديثة. وفي ذلك يمكن فهم معنى قول حافظ إبراهيم:

الأم مدرسة إذا أعددتها * أعددت شعبًا طيب الأعراق

إذ لايمكن تغيير شيء يذكر في في المجتمع والاقتصاد والإدارة والسياسة والثقافة والأخلاق مالم يتحققتغيير تربوي تعليمي سيكولوجي عميق في بنية الشخصية البشرية ومالم تتكون الرغبة والقدرة علىالتفكير والعمل بطريقة جديدة ورؤية واضحة وهذا هو ما قامت ولازالت تقوم به المرأة المتعلمة فهي المربيوهي الراعي وهي المنمي ، فإن كانت متعلمة وواعية ومثقفة، سينعكس ذلك على الأبناء فقلما نجد أبناء جهلة لأم هي في الأصل واعية ومتعلمة ، وإن حدث ذلك فهي حالات فردية وقليلة، وإن نظرنا إلى المجتمع - وكماذكرنا سابقًا - بأنه المكون الأساسي للمجتمع- وجمعنا الأمهات الواعيات المستنيرات العقل، فإننا سنجدأبناءهن قد أخذوامنهن الخصال نفسها، وإذا جمعنا هؤلاء الأبناء فإنهم سيشكلون المجتمع فالمعادلةتقول: أبناء الأم “أ” مع أبناء الأم “ب” مع أبناء الأم “ج”، إذن، فالمحصلة النهائية هي: أبناء واعونوجيل واع ٍتربى على يد أمهات مستنيرات العقل والفكر، فلدينا إذن مجتمع واع منفتح يرقى إلى مصافالشعوب المتطورة والمتقدمة. فكيف شقت المرأة طريقها إلى الحضور بعد أن غيبتها الهيمنة الذكوريةالالف السنين؟ إذ مضى زمن طويل منذ أن بدأت حياة الكائن الإنساني على كوكب الأرض، لم تكن فيهالمرأة "حواء" شيئًا مذكورًا أو جدير بالقيمة والاعتبار بذاته ولذاته ومن أجل ذاته، بل كان الرجل الذكرهو سيد الموقف، وصانع التاريخ وخليفة الله سبحانه وتعالى في الأرض، ومبدع الثقافة وباني الحضارةوحامل الأمانة المقدسة، وحافظ الأسرار والمعارف والعلوم والفنون ومروض الوحوش، وصاحب الحكمةوالعقل والخلق والدين والملاحم والبطولات؛ إذ كانت كل الصفات الإيجابية التي تدل على الفعالية والقوة والنشاط والإنتاجية والإنجاز والانتصار والعنف والحرب تلصق بالرجل الذي ظل يتربع على مسرحالتاريخ الإنساني حتى وقت قريب، وظل مفهوم الإنسان يطلق على الرجل فقط، وكانت كل الكائنات والأشياء والطيبات بما في ذلك الكائن الإنساني الآخر الشبيه به تمامًا - أي المرأة الأنثى - تدور حولفلكه الذكوري وتسخر لخدمته وتخضع لمشيئته البطريركية، وعلى مدى ملايين من السنين من تجربة العلاقة الاجتماعية والممارسة التاريخية لحياة الرجل والمرأة ترسخت الهيمنة الذكورية والقيم البطريركيةعند مختلف الشعوب والمجتمعات حتى اكتسبت صورة الضرورة الطبيعية البيولوجية والمسلمة البديهيةالتي لم تعد تثير الشك والتساؤل عن حقيقة مشروعيتها.

وفي صبيحة يوم من أيام شهر يونيو عام 1678م اعتلت أول امرأة في التاريخ تحصل على درجةالدكتوراه المنصة بكاتدرائية بادوا لكي يتم امتحانها في التحليل المنطقي لأرسطو، كان اسمها الينالوكريزيا كورونارو بسكوبيا وكان عمرها 32 عام وكانت غير متزوجة وابنة لواحدة من أكثر العائلات ثراءًفي فينيسا.كانت "الينا" قد تقدمت في البداية بطلب لدراسة الدكتوراه في اللاهوت، لكن مدير الكليةاللاهوتية بالجامعة الكاردينال جريجوريو بارباريجو، أسقف بادوا رفض بشدة قائلًا: "لا يمكن لقد خلقتالمرأة للأمومة وليس للتعلم"، كتب بعد ذلك عن الواقعة.. لقد تحدثت مع أحد الكرادلة الفرنسيين عن ذلكفانفجر ضاحكًا"، ولكنه بغير حماس وافق على السماح لها بأن يكون امتحانها للدكتوراه في الفلسفة" في ذلك الوقت كن نساء أوروبا كافحن كفاحًا مستميتًا في سبيل إثبات جدارتهن الإنسانية وقدراتهنالعقلية، وكان التعليم والمعرفة هو المجال العام الوحيد الذي من شأنه ذلك، إلا أن التعليم بالنسبة للمرأةكان بمثابة مغامرة خطرة ومكلفة إذ تحتاج المرأة التي يمكنها خوض هذه المغامرة إلى أربعة شروط:

1- عمر طويل، إذ أن متوسط عمر المرأة كان في القرن السابع عشر لا يتجاوز 32 عام.

2- حياة عزوبة، إذ يصعب التعلم والدراسة مع الزواج والحمل.

3- أسرة غنية تمكنها من تعلم القراءة والكتابة ومحو الأمية، إذ انه قبل عام 1650م كان 10% فقط مننساء لندن بمقدورهن التوقيع بأسمائهن، وبحلول 1700م كان نصف نساء لندن يمكنهن كتابة أسمائهن.

4- الجلد والصبر وشدة التحمل وقوة الشخصية، لأن المرأة المتعلمة كانت تعد ظاهرة شاذة في مجتمعكان يحتقر المرأة المتعلمة وينبذها ويحاربها.

وحينما توفرت هذه الشروط أو بعضها لبعض نساء إيطاليا تألقت مجموعة من النساء المتعلمات خلالمرحلة النهضة، كما وجدت النساء الدارسات ترحيبًا أكثر عما كان في الدول الشمالية. ففي انجلتراكانت الكاتبة الموهوبة ليدي ماري وورفلي مونتا جو عام 1753م تكتب عن الخطط المقترحة لتعليمحفيدتها الصغيرة، معاتبة ابنتها بمرارة لكي تخفي ما تتعلمه الطفلة وبجزع يعادل إخفاءها لسوء الخلقأو الفعل المشين!؟ في الواقع لم تكن الطريق للتعلم مفروشة بالورد أمام نساء أوروبا الناهضة بل واجهنجملة واسعة من المعوقات، إذ أن معظم الناس كانوا يؤيدون الحد من تعليم المرأة، فقد استبعدت الفتياتفي مؤسسات التعليم العالي والجامعات ومن مدارس اللغات والمدارس الإعدادية. ورغم كل المعوقاتتمكنت بعض النسوة اللامعات في ترك علامات كدارسات وكاتبات، وأخذ يتزايد شيئاً فشيئًا عدد النساءالمتعلمات في مختلف أنحاء أوروبا، لا سيما لدى الأسر الغنية أو المتحررة، ويذكر في بريطانيا بناتالسيد توماس مور، وبنات الايرل اورندل، وبنات السير أنتوني كوك من اللاتي تلقين تعليمًا ممتازًا، فهذهليدي جوانا لوملي ابنة اورندل أنتجت أول ترجمة انجليزية للدراما الإغريقية.وقد لخصت أول امرأةانجليزية باشرت التفكير الفلسفي أواخر القرن الثامن عشر، هي الفيلسوفة ماري ولستوت كرافت عام1792م المشهد النسوي بقولها: "إن معظم النسوة اللاتي سلكن مسلك المخلوقات الرشيدة أو أظهرن أيقوة فكرية كان قد سمح لهن بالصدفة بأن ينطلقن بلا قيود، والانطلاق بلا قيود في مكتبة الأسرة كانالطريق المعتاد للنسوة الطامحات فكريًا لتعليم أنفسهن"أمثال الانجليزية إليزابيث تاتفيد، التي علمتنفسها الفرنسية والاسبانية والايطالية واللاتينية والعبرية وقد رفضت أمها أن تسمح لها بإيقاد بالشموعلتقرأ في الليل، ورغم ذلك كتبت العديد من الترجمات والشعر، وكانت كرستين دي بيران ابنة عالم النجوموالطبيب الإيطالي في بلاط تشارلز الخامس بفرنسا، الأولى في أوروبا التي أعالت نفسها وأطفالهاالثلاثة بمهنتها الأدبية، وفي كتابها "مدينة السيدات" تخيلت قيام نسوة موهوبات ببناء مدينة لهنيمكنهن فيها العيش بسلام وبأسلوب خلاق، الوجود المستحيل كما رأته في فرنسا القرن الخامس عشر. وبالمثل فعلت الهولندية انافان شي رمان من اوتريخت كفتيات الطبقة الوسطى للقرن السابع عشر،حينما صممت في 21 من عمرها أن تعلم ذاتها تعليمًا فكريًا جادًا وأصبحت واحدة من أفضل نساءعصرها في اللغة اللاتينية، وقد ترجمة أعمالها إلى لغات كثيرة. وبفضل تمكين المرأة من التعليم وأصبحالعالم اليوم يتحدث عن الفيلسوفات والعالمات والأديبات من النساء الحائزات على جائزة نوبل فيمختلف مجالات المعرفة والنشاط. منذ تأسيسها وإعلان أول جوائزها عام 1901 وحتى 7 أكتوبر 2020،فازت 4 سيدات في الفيزياء و7 في الكيمياء، و12 في الطب أو علم وظائف الأعضاء، و15 في الأدب،و17 بجائزة نوبل للسلام، وفازت اثنتان بـ"جائزة سفيريجس ريكسبانك في العلوم الاقتصادية في ذاكرةألفريد نوبل"، المعروفة بنوبل للاقتصاد.

هكذا يمكن القول أن المرأة بالمعنى الجنوسي المعاصر تعد أبرز اكتشافات الحضارة المعاصرة إذ بدء الأمر وكأن العالم قد اكتشف فجأةً هذا الكائن اللطيف الجميل الخصيب المبدع المنتج الأنيس الحميمالساحر الفتان الكائن الإنساني جداً الكائن " الذي لا تحتمل خفته"

تجدر الاشارة إلى إن التغيرات المتسارعة في مختلف مناحي حياة المجتمع اليوم تجعل مفاهيم التربية والتعليم التقليدية موضع تساؤل : إذ كيف نعلّم التلاميذ بينما هناك نظريات ومناهج وموضوعات يكون قد عفا عليها الزمن قبل أن يترك التلاميذ مقاعدهم في المدرسة ويضيف أننا نعيش لحظة تاريخية فارقةتجعل التغييرات في الأشخاص عاجزة عن ملاحقة سرعة التغيرات الاجتماعية والثقافية والعلمية المتسارعة في العالم المعولم الذي يشهد انفجار الثورة العلمية والتقنية الرقمية على نحو لم يسبق له مثيلمن آدم حتى الآن أقصد إن المعارف العلمية والقيم التربوية في عصر العولمة وإنكماش الزمان والمكان. عصر العلم والميديا الجديدة تعيش حالة من التغيير والتبدل بوتيرة متسارعة في بضع ساعات فقط. وهذايعني إن تحديات الحياة المعاصرة لا يمكن مواجهتها الإ بالاستجابة الإيجابية الفعالة وتلك الاستجابة لا يمكنها أن تكون الإ بتغيير جذري في أدوات ومحتويات ووسائل وطرق التربية والتعليم العتيقة. فمجتمع الغد أما أن يكون في الروضة والمدرسة أو لا يكون. وهكذا يظل سؤال التربية الملح كما كان فيكل العصور. ماذا نريد أن نكون؟!

وحينها تستطيع المدرسة والجامعة أن تحقق مثلها الأعلى في تنمية وتنوير العقول إذ أن المثل الأعلى للجامعة لا يتمثل في منح الطلاب المعرفة بقدر ما يتمثل في منحهم القدرة على فهم واستخدام المعرفة التي اكتسبوها في سنوات حياتهم العشرين الأولى وبذلك تكون وظيفتها الجوهرية - الجامعة - هيالعمل على تحويل معرفة الاولاد والبنات؛ التلميذات والتلاميذ إلى قدرة الرجال والنساء المعول عليهم في بناء وتنمية المجتمعات والأوطان.