آخر تحديث :الثلاثاء-06 أكتوبر 2026-09:14م
اخبار وتقارير

إعلام الشرعية يعلن انتصارات لا يعرفها الميدان.. تضليل يربك معركة الساحل

إعلام الشرعية يعلن انتصارات لا يعرفها الميدان.. تضليل يربك معركة الساحل
الثلاثاء - 06 أكتوبر 2026 - 06:57 م بتوقيت عدن
- عدن، نافذة اليمن:

يتصاعد الجدل حول أداء الإعلام الموالي للشرعية في تغطية التطورات العسكرية الأخيرة، وسط انتقادات حادة تتهم بعض المنابر الإعلامية بالتسرع في إعلان تقدمات وسيطرة وانتصارات لا تستند إلى معلومات ميدانية موثوقة، وتحويل التحركات العسكرية إلى أخبار عاجلة تتسابق عليها المنصات قبل أن يؤكدها الواقع على الأرض.


وتتجاوز الانتقادات مجرد الحديث عن أخطاء مهنية عابرة، إلى التحذير من تحول المبالغة في الأخبار العسكرية إلى عبء على القوات نفسها، خصوصاً عندما يجري الإعلان عن تحرير مناطق أو السيطرة على مواقع ثم يتضح لاحقاً أن المعارك ما تزال مستمرة أو أن التطورات لم تصل إلى المستوى الذي صوّرته التغطية الإعلامية.


وفي حرب تقوم على المعلومات بقدر ما تقوم على السلاح، فإن الفجوة بين الرواية الإعلامية والمشهد الميداني لا تضر بصورة وسائل الإعلام وحدها، بل يمكن أن تقوض ثقة الجمهور بالمصادر الرسمية، وتربك قراءة التطورات، وتمنح الخصم فرصة لاستثمار التناقض بين ما يُعلن وما يحدث فعلياً.


الكاتب الصحفي نبيل الصوفي انتقد بشدة أداء الإعلام خلال معارك الساحل الغربي، معتبراً أن جزءاً منه أصبح منشغلاً بمردوده الخاص ومتابعيه وبالأطراف السياسية التي يواليها، بدلاً من نقل حقيقة ما يحتاجه المقاتل والجبهة.


وقال الصوفي إن تجربته منذ بدء الحرب على الساحل الغربي كشفت له أن بعض الإعلاميين كانوا يتلقون مناشدات لنقل خطورة الأوضاع في مناطق القتال ومؤازرة الجنود، لكنهم كانوا في المقابل ينشرون أخباراً عن انتصارات ساحقة ماحقة ، في وقت كانت فيه الجهات الرسمية نفسها غير قادرة على إعلان كل ما لديها من معلومات بحكم طبيعة العمل العسكري.


وانتقد الصوفي ما رافق وصول قوات العمالقة إلى مطار ذو باب، قائلاً إن وسائل إعلام أخذت تنقل المعارك بصورة غير دقيقة وتتحدث عن تحرير مناطق شرقاً وغرباً، بينما كانت البيانات الصادرة عن القوات الموجودة في الميدان أكثر تحديداً.


وأشار إلى أن الخلط بين ذو باب والمندب وباب المندب يكشف، بحسب رأيه، ضعف معرفة بعض وسائل الإعلام بالجغرافيا العسكرية للمنطقة، موضحاً أن هذه المواقع ليست نقطة واحدة يمكن جمعها في رواية واحدة لإنتاج صورة عن انتصار شامل.


ويرى الصوفي أن المعركة على الأرض دم وجهد ومعركة ، وأن المبالغة الإعلامية لا تقدم للمقاتل المؤازرة التي يحتاجها، بل قد تضيف إليه عبئاً جديداً عندما يجري تصوير الواقع بصورة مختلفة عن حقيقة الجبهة.


فيما الصحفي بسيم جناني انتقد بدوره ما وصفه بأسوأ ما حدث خلال التغطية الأخيرة، مشيراً إلى تصدر الإعلام الرسمي للشرعية خبراً عن دخول المخا ونسبه إلى مصدر عسكري، قبل أن يتضح، وفق روايته، أن التطورات الميدانية لا تتطابق مع الرواية التي جرى تداولها على نطاق واسع.


وأكد جناني أن الخبر حظي بالانتشار بسبب نسبته إلى مصدر عسكري، ما دفع حتى بعض الصحفيين إلى التعامل معه باعتباره معلومة موثوقة، قبل أن تظهر لاحقاً إشكالية الرواية.


وتكشف هذه الواقعة، وفق الانتقاد المطروح، خطورة أن تتحول صفة المصدر العسكري إلى بديل عن التحقق؛ فكلما كانت المعلومة أكثر حساسية واتصالاً بالعمليات العسكرية، ارتفعت الحاجة إلى التأكد منها قبل نشرها، لا إلى الاكتفاء بنسبتها إلى جهة يفترض أنها قريبة من الميدان.


كما أن الخطأ في خبر يتعلق بدخول مدينة أو السيطرة عليها لا يبقى محصوراً في غرفة الأخبار، إذ سرعان ما تنتقل المعلومة إلى وكالات وقنوات وصفحات أخرى، فتتحول الرواية غير الدقيقة إلى حقيقة متداولة يصعب تصحيح أثرها لاحقاً.


الناشط مقبل محمد انتقد بدوره ما وصفه بالمبالغة في نقل التطورات الميدانية من جانب بعض وسائل الإعلام الموالية للشرعية، مشيراً إلى أن بعض القنوات تحدثت عن السيطرة على المخا، بينما تحدثت روايات أخرى عن تطورات محدودة في محيط باب المندب.


وقال إن مثل هذه المبالغات لا تخدم الشرعية إعلامياً، بل قد تضعها في موقف محرج أمام الرأي العام، لأن الفجوة بين ما يُعلن إعلامياً وما يجري فعلياً على الأرض سرعان ما تظهر، خصوصاً مع تعدد المصادر وسهولة التحقق من المعلومات والصور والتسجيلات المتداولة.


ويختصر هذا الانتقاد مشكلة جوهرية في التغطية العسكرية: الفرق بين إعلان التقدم وإعلان السيطرة، وبين الوصول إلى موقع والقول بتحرير منطقة، وبين الاشتباك مع الخصم والقول بسقوط جبهة بأكملها.


من جانبه الصحفي صلاح بن لغبر وسّع دائرة الانتقاد، مستنداً إلى تجربته في تغطية المعارك، قائلاً إن التقدم العسكري كان يُثبت ميدانياً من خلال تصوير معلم معروف أو طريق أو مبنى أو نقطة جغرافية واضحة يمكن التحقق منها، لأن السيطرة العسكرية يثبتها الميدان .


ويرى بن لغبر أن المصداقية في زمن الحرب ليست ترفاً إعلامياً، وإنما رصيد استراتيجي ، محذراً من أن تبديد هذا الرصيد عبر معلومات غير صحيحة لا يؤدي فقط إلى خسارة ثقة الجمهور، بل يمنح الخصم مادة دعائية مجانية، وقد يصل الأمر إلى مرحلة لا يصدق فيها الجمهور الحقيقة عندما تُنشر فعلاً.


ويضع بن لغبر المسألة في إطار أوسع يتعلق بالحرب الإعلامية والنفسية، موضحاً أنها تقوم على التأثير في إدراك الخصم، ورفع معنويات الجبهة الداخلية، وحماية المعلومات العملياتية وإدارة توقيت نشرها، وليست مسابقة لاختلاق الانتصارات.


وحذر بن لغبر من أن إصدار معلومات ميدانية غير صحيحة من مؤسسات رسمية ثم تلقفها وكالات دولية وقنوات ووسائل إعلام بسبب صفة المصدر الرسمي، قبل أن يظهر اختلاف الواقع على الأرض، يمثل خطراً يتجاوز الخطأ الصحفي، لأنه يضرب الثقة بالمؤسسات التي تصدر المعلومات.


كما حذر من أن آثار المعلومة العسكرية الخاطئة لا تنتهي بمجرد نشر تصحيح، إذ قد يبني صحفيون رواياتهم عليها، وقد يتخذ مدنيون قرارات بناءً عليها، وقد تؤثر في تقديرات أطراف أخرى أو تحركات ميدانية.


وأشار بن لغبر إلى أن الحرب الإعلامية الناجحة لا تصنع التفوق عبر انتصارات وهمية ، وإنما عبر إدارة المعلومات بصورة دقيقة تخدم المعركة وتحافظ في الوقت نفسه على مصداقية المصدر.


الناشط عبدالله الجعيدي ذهب في انتقاده إلى أبعد من ذلك، معتبراً أن جزءاً من الإعلام والإعلاميين والنشطاء الموالين للشرعية ظل جزءاً من المشكلة من خلال المبالغة في التغطية وتجميل الإخفاقات وصناعة انتصارات وهمية يعيش عليها الشارع لساعات قبل أن يصطدم بواقع مختلف.


وقال الجعيدي إن المشكلة لا تتوقف عند بيع الوهم ، بل تمتد إلى تأثير هذا الخطاب على الحرب والجبهات نفسها، عندما تصبح الانتصارات المتخيلة بديلاً عن قراءة الواقع والاستعداد له والتعامل معه.


ويطرح الجعيدي بذلك انتقاداً يتجاوز المهنية الإعلامية إلى أثر الخطاب الإعلامي على صناعة القرار والوعي العام؛ فالإعلام الذي يقدم صورة وردية بصورة دائمة قد يحجب مؤشرات الخلل التي تحتاج إلى معالجة، ويجعل الجمهور يعيش على توقعات لا تتطابق مع الواقع.


ودعا الجعيدي إلى وضع حد لهذا النوع من الأداء الإعلامي، معتبراً أن غياب بعض الإعلاميين والنشطاء عن المشهد قد يكون، وفق تعبيره، أفضل من حضورهم إذا كان هذا الحضور يؤدي إلى تضليل الجمهور وإرباك الجبهات.