تعز.. المدينة الواقفة على حافة الوجع التاريخي، المحاصرة بالطرق المقطوعة والقذائف العمياء التي لا تفرق بين طفل وشائب، تتلقى اليوم طعنة من نوع آخر لا تقل شراسة عن طعنة الحصار نفسه. إنها الطعنة التي تتسلل من الداخل، من أروقة الضمير الميت وأصابع المتكسبين الذين اتخذوا من دمعة الأرملة، وصرخة الجائع، ومأساة مدينة كاملة، بضاعة رخيصة في سوق المزايدات.
لقد تحولت مأساة تعز عند هؤلاء إلى "ترند" استثماري متجدد. فبينما يكتوي الفقراء بنار القصف والأسعار وانعدام أبسط مقومات الحياة، يرتدي تجار المآسي ثياب البطولة المزيفة، ليمارسوا تجارة سياسية وإعلامية رخيصة على حساب أرواح لا حول لها ولا قوة.
تجار الهياكل العظمية: من هم؟
لنفكك هذا الصنف البشري الطفيلي الذي نبت على حطام المدينة، أولئك الذين يُعرفون بـ "نشطاء البروباغندا" أو "تجار الأزمات":
سماسرة الميكروفونات: فئة لا تعرف من تعز سوى اسمها المستعار في التقارير والمنشورات الرنانة. همهم الوحيد تحويل صور الدمار وحكايات الجوع إلى أداة ابتزاز واستدرار للتمويل والدعم الخارجي، بينما لا يصل للفقير الحقيقي سوى الفتات والوعود الكاذبة.
أبطال الشاشات الافتراضية: أشخاص يعيشون في رغد العواصم والمهجر، أو في أبراجهم العاجية داخل المدينة، يتنفسون أوجاع الناس ليصنعوا منها بطولات شخصية وهمية، مستغلين طيبة الشارع التعزي واندفاعه العاطفي نحو قضيته العادلة.
أصحاب الدكاكين الحزبية والمصلحية: الذين لا يرون في الحصار سوى فرصة ذهبية لتصفية الحسابات السياسية وتثبيت قواعد نفوذهم، مستخدمين معاناة المواطنين دروعاً بشرية وخطباً استعراضية تفتقر لأي أثر واقعي يرفع المعاناة..
تساؤلات تجلد الضمير الغائب
ألم يكفِ هؤلاء تجارةً بأرواح البسطاء؟ أم أن دماء تعز وأوجاعها تحولت إلى أسهم في بورصة مصالحهم الشخصية؟
أين تذهب ملايين الدولارات والنداءات الإنسانية التي تُطلق باسم تعز وتحت مظلة معاناتها، بينما يعجز أبسط مواطن عن شراء دواء لطفله أو تعبئة قنينة غاز؟
بأي حق تتحول آلام الأم الصبرية التي حملت جثمان ابنتها على ظهرها إلى مادة استهلاكية تُطرح في مزادات الخطابات الرنانة والمنشورات المموّلة، دون أن تقدم هذه الأقلام المأزومة رغيف خبز لجائع أو جرعة دواء لمريض؟
وكيف لضمير حي أن ينام وهو يعلم أن كل صرخة ألم يُعاد تدويرها في حسابات هؤلاء السماسرة، ما هي إلا صك إدانة إضافي بحق مدينة تُركت وحدها تصارع الموت؟
الفقراء يدفعون الفاتورة.. ووقت الحساب آتٍ.
بينما ينشغل هؤلاء السماسرة بحياكة الشعارات والمناشدات الرنانة وجمع الأرصدة المعنوية والمادية، فإن الفقراء وحدهم من يدفعون الثمن باهظاً؛ هم من يقفون في طوابير الموت، وهم من يتجرعون مرارة الانقطاع وغلاء المعيشة وغياب العدالة.
لقد تُركت تعز وحدها في مواجهة مصيرها، ينهش أطرافها محتل غاشم من الخارج، ويخذلها نظام شرعي باع القرار في فنادق الرياض وتفرّج على دمها من شاشات الفنادق، ويستنزف دماءها متكسبون في الداخل يقتاتون على جثتها.
إن السكوت عن هؤلاء العابثين لم يعد مجرد تواطؤ، بل شراكة مباشرة في جريمة استنزاف الروح التعزية.
إن تعز بحاجة اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، إلى حملة تطهير أخلاقية تكشف زيف هؤلاء المتاجرين، وتضعهم في حجمهم الحقيقي، وتطالب بمحاسبتهم علناً وأمام الملأ.
ليعلم كل من تسول له نفسه اتخاذ أوجاع الناس مطية لمجده الشخصي أن حساب التاريخ والشارع لا يسقط بالتقادم.
تعز ليست حقل تجارب لسماسرة العمل الخيري، ولن تبقى أبداً رهينة في أيدي تجار المآسي.. فوقت الحساب قادم، ولن يرحم التاريخ من باع دماء أهله بثمن بخس.
﴿ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ ﴾
#فكو_الحصار_عن_تعز