انظروا جيداً إلى هذه الصورة.
هذا ليس بقايا طعامٍ مرمي، هذا غداء أسرة. عصيد بمرق وسمن، وضعته أمٌّ بيدها لأطفالها قبل دقائق. لا يزال السمن يلمع وسط الغبار، ولا يزال الدخان يتصاعد من المرق، لكن من كانوا سيأكلونه لم يعودوا موجودين.
في منطقة صينة بتعز، كانت أسرة كاملة مجتمعة حول هذه المدرة. لحظة مقدسة عند اليمنيين؛ لحظة ينسى فيها الأب تعب الصباح، وتضع فيها الأم هموم البيت جانباً. لم يكونوا في جبهة، ولم يحملوا سلاحاً، ولم يهتفوا بشعار.. كانوا فقط يأكلون.
فجاء صاروخ الحوثي.جاء ليقول لهم إن حتى هذه اللحظة الآمنة محرمة عليكم. نزل السقف فوق المدرة وفوق رؤوسهم، فاختلط العصيد بالتراب، واختلط لحم الأطفال بحجارة بيتهم. تحولت مائدة الغداء إلى قبر جماعي.
أيُّ دين هذا الذي يبيح قصف لقمة عيش؟
وأيُّ رجولة تلك التي توجه صاروخاً نحو منزلٍ فيه أم وأطفال؟
وأيُّ مشروع دولة يبدأ بقتل أسرة وهي تأكل عصيدها؟
هذا ليس صاروخاً طائشاً، ولن نسمح لأحد أن يقول ذلك. هذه عقيدة انتقامية قذرة، وتعز تعرفها جيداً.
كلما كُسر الحوثي في جبهة الشقب، أو انهزم في مرتفعات صبر، أو تراجع في الصنمة بالمسراخ، عاد ليفرغ حقده في أحياء المدنيين. عجز عن مواجهة الجيش، فذهب ليواجه مدرة عصيد.
يا له من مقاتل شجاع يواجه مدرة عصيد!!
إلى العالم الذي يصم آذاننا بحديثه عن السلام، وإلى مكاتب الأمم المتحدة التي تعد الضحايا بالأرقام: هذه ليست مجرد إحصائية. هذه أسرة كانت جائعة فماتت جائعة.
هذه أم لن تكمل سكب المرق، وأب لن يكمل لقمته، وأطفال لن يشبعوا أبداً.
أن تقتل أسرة على مائدتها، فأنت لا ترتكب جريمة حرب فقط، بل تعلن أنك عدو للحياة نفسها؛ عدو للبيت، وللخبز، وللطمأنينة.
ستبقى هذه المدرة، بهذا التراب الذي يغطيها، وصمة عار على جبين الحوثي، وشاهداً على أن أبشع الجرائم في تعز لا تحدث في الجبهات، بل تحدث على موائد الطعام.
﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾
