آخر تحديث :الخميس-15 أكتوبر 2026-01:01ص

الصمود الأسطوري.. الشهادة المجانية التي تمنحها الحكومة

الخميس - 15 أكتوبر 2026 - الساعة 12:56 ص

محرم الحاج
بقلم: محرم الحاج
- ارشيف الكاتب


قراءة نقدية في اتصال رئيس الوزراء بمحافظ تعز

حين تقرأ خبر "رئيس الوزراء يجري اتصالاً هاتفياً بمحافظ تعز للاطلاع على الأوضاع الإنسانية والخدمية"، تشعر للوهلة الأولى أن تعز قد تحررت، وأن الحصار قد تكسر على وقع هذا الاتصال التاريخي.


أسطوانة "لا تسقط بالتقادم".. بينما المواطن يسقط كل يوم!


قال الخبر الذي قرأته أكثر من مرة: "الحصار جريمة حرب لا تسقط بالتقادم، والمسؤولون عنها لن يفلتوا من العقاب".


يا دولة الرئيس، نحن نعرف أن "التقادم" مصطلح قانوني جميل يصلح للمحاكم الدولية ولكتب القانون في لاهاي. لكن المواطن في تعز لا يفكر بالتقادم القانوني، بل يفكر كيف لا يسقط هو نفسه من سجل الأحياء اليوم.


أليس المواطن الذي يموت بقناص حوثي في أطراف المدينة هو من سقط؟ أليس الطفل الذي يفارق الحياة لانعدام الدواء وأجهزة التنفس في المستشفيات المتوقفة هو من سقط؟أليس الأب الذي يشتري وايت الماء بما يزيد عن راتبه الشهري هو من سقط اقتصادياً ومعيشياً؟


نحن لا نخشى أن تسقط الجريمة بالتقادم بعد عشرين سنة، نحن نخشى أن يسقط المواطن نفسه قبل أن يصل تهديدكم إلى جماعة الحوثي الإرهابية!


فما فائدة أن تبقى الجريمة حيّة في أوراق المحاكم، إذا كان صاحب الضحية هو من سيسقط ويُقبر تحت التراب؟


"الصمود الأسطوري".. شهادة شكر بلا رصيد


وقال الخبر أيضاً: "أشاد رئيس الوزراء بالصمود الأسطوري لأبناء تعز".

عبارة "الصمود الأسطوري" هذه،.

ترجمتها الحرفية في قاموس المسؤول هي: "شكراً لكم لأنكم تموتون بصمت، وتشربون الماء الملوث ، وتدفعون ثمن الحصار وحدكم، بينما نحن منشغلون بإصدار بيانات الإشادة وتنسيق الاتصالات".


يا سادة، المواطن لا يريد أن يكون "أسطورة"، ولا يريد أن يدخل موسوعة جينيس في تحمّل العطش والجوع والموت! المواطن يريد فقط أن يكون إنساناً طبيعياً، يشرب ماءً نقيًا، ويمشي في طريق آمن، ويعود أبناؤه إلى مدارسهم دون أن ترصدهم عيون القناصة.


لماذا تصرون على أن تظل تعز "أسطورة"؟ لماذا لا تريدونها مدينة حية وطبيعية مثل باقي مدن العالم؟ أليس الإصرار على أسطرتها وتضخيم صبرها هو الاعتراف الأكبر بفشلكم العريض في تطبيع حياتها وفك قيدها؟


الحكومة "تتحمل مسؤوليتها".. عبر الخط الساخن!د.


وجاء في الخبر كذلك: "الحكومة تتحمل مسؤولياتها الوطنية والتنفيذية إلى جانب السلطة المحلية لمواجهة تداعيات الحصار".

هذه هي المسؤولية من نوع "عن بُعد" (Work from Home)!


حكومة تتحمل المسؤولية بالبلاغة والإنشاء والتصريحات الرنانة، وتترك أهالي تعز ومستشفياتها وخزانات مياهها الخاوية يواجهون قدرهم وحدهم.


أين هي هذه المسؤولية حين يشرب أطفال تعز من صهاريج ملوثة بأسعار خيالية تُرهق الكاهل؟


وأين هي هذه المسؤولية حين تتحول سفرية مريض السرطان من ريف تعز إلى المدينة -أو العكس- من مجرد جولة نصف ساعة إلى رحلة عذاب عبر جبال شائكة يستغرق قطعها ساعات كاملة؟


أين أجهزة الدولة وإمكاناتها المتاحة التي تحدث عنها الخبر، وهل باتت الميزانيات تُسخّر للإعلام فقط، بدلاً من وضع حدٍ لمأساة العطش والانهيار؟


خلاصة القول :

كان المواطن البسيط في تعز ينتظر بعد هذا الاتصال أن يسمع قراراً بعمل خطة طوارئ عاجلة، أو حراكاً سياسياً ودبلوماسياً يفرِض فتح الطرقات، أو دعماً مالياً طارئاً يغيث شبكة المياه والكهرباء في المدينة المحاصرة...


فجاءه الرد بكل برود وتدفق دبلوماسي: "نحن معكم.. بالكلمات العذبة، ونشيد بصمودكم الأسطوري، ونؤكد لكم أن جريمتكم لن تسقط بالتقادم!"


شكراً يا دولة الرئيس.. المواطن في تعز سينام الليلة مطمئناً جداً، فجريمته موثقة ومحفوظة ولن تسقط، حتى لو سقط هو نفسه غداً؛ عطشاً، أو قنصاً، أو جوعاً!

"وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ "