آخر تحديث :الأحد-04 أكتوبر 2026-01:01ص

تعز... أسوار منيعة لا تقتحمها أوهام الكهنوت

الأحد - 04 أكتوبر 2026 - الساعة 12:04 ص

محرم الحاج
بقلم: محرم الحاج
- ارشيف الكاتب


سألني أحد المتابعين الكرام من محافظة مأرب العز : ماذا حدث في تعز أمس؟ وهل يمكن أن تسقط؟


والسؤال مشروع، لأن صباح أمس السبت 3 أكتوبر، لم يكن صباحاً عادياً في مدينتي. لم تكن أصوات الانفجارات التي دوّت مجرد صدى بعيد تعبر التلال، بل كانت زلزالاً حضر في كل حي وشارع وزقاق. كنت أسمعها وأنا في قلب المدينة، أسمعها كمن يسمع نبض مدينته وهو يقاتل.


وما جرى أمس،، لم يكن مجرد "صد هجوم". كان اصطداماً مباشراً لمشروع كهنوتي متكلس بجدار من لحم ودم ووعي وعقيدة. كانت محاولة جديدة بائسة لتحقيق حلم السيطرة السريعة، فتحطمت ككل مرة على صخرة صمود أسطوري اسمه تعز.


ولهذا أقولها بملء الفم: دخول تعز مستحيل.. ليس عاطفة، بل معادلة.


القول بأن الحوثي لا يمكنه اجتياح تعز ليس أمنية أكتبها من خلف شاشة هاتفي ، بل هو تحليل موضوعي بارد، تستند أركانه إلى ثلاث حقائق مريرة جداً بالنسبة له، يعرفها هو قبل غيره.


1- الحقيقة الأولي : بيئة تلفظه.. لا حاضنة، لا عمق


أكبر كابوس يؤرق أي جيش غازٍ هو أن يقاتل في أرض تكرهه. والحوثي يدرك تماماً أنه لا يملك في داخل أسوار مدينة تعز حاضنة شعبية واحدة، ولا عمقاً اجتماعياً يمكن أن يبني عليه.


تعز ترفض مشروعه العنصري السلالي بالفطرة. ترفضه في مقايلها، في مدارسها، في جامعاتها، في وعي أطفالها قبل شيوخها. هو يدرك أنه لو دخل شارعاً، فسيكون كل بيت فيه غرفة عمليات ضده، وكل نافذة فوهة بندقية.


2 - الحقيقة الثانية : تعز لم تعد خريطة.. تعز تحولت إلى وعي


خطأ الحوثي القاتل أنه لا يزال يتعامل مع تعز كخريطة عسكرية صماء، يظنها تلة يمكن تطويقها أو خط إمداد يمكن قطعه.


تعز لم تعد كذلك منذ 2015. تعز تحولت إلى حالة وعي وطني ومجتمعي مشتعل. تحولت إلى فكرة.


أنت لا تقاتل لواءً عسكرياً هنا، أنت تقاتل مدرساً ترك طبشورته وحمل بندقيته، وطالباً جامعياً ترك قلمه، وتاجراً أغلق محله، وموظفاً ترك مكتبه . هذا الجيش الهجين من الوعي والعقيدة هو ما يجعل كل حساباتهم العسكرية تفشل. كيف تهزم مدينة قررت ألا تنكسر؟


3 - الحقيقة الثالثة : ثورة الأزقة.. وهذا هو المرعب حقاً ، وهنا بيت القصيد الذي لا يفهمه الكهنوت.


لو وأقول لو - تجرأت المليشيا وتقدمت خطوة واحدة إضافية وتجاوزت خطوط التماس، فهي لن تصطدم بالجيش وحده. هذا هو وهمهم.


ستصطدم بطوفان بشري. ،ستخرج نساء تعز قبل رجالها، وأطفالها قبل شبابها، وشيوخها بعكاكيزهم، ليرجموهم بالحجارة من فوق كل سطح، ومن خلف كل باب، وفي كل حارة وزقاق.


ستتحول المدينة كلها، بكل حجر فيها، إلى مقاومة شعبية عارمة. كل شارع سيصبح خندقاً، وكل بيت سيصبح متراساً. هذه ليست مبالغة أدبية، هذه هي عقيدة المدينة التي حفظتها كصحفي عن ظهر قلب بعد 11 عاماً من الحصار والقصف.


إن محاولة دخول تعز اليوم ليست مغامرة عسكرية محسوبة، بل هي قرار انتحار محقق. هي كمن يقرر أن يلقي بنفسه في بركان وهو يظن أنه سيطفئه.


تعز حفرت اسمها بدموع أبنائها وصمودهم، وأسوارها اليوم ليست من تراب، بل من كرامة أهلها. ومن يحاول أن يقتحم سور الكرامة، يسحق.

"والله غالب على أمره."