ليست تعز مدينةً تُحاصَر فقط، بل مدينةٌ تُباع في سوق النخاسة السياسية. تُباع كلَّ يومٍ ببيانٍ بارد، بصمتٍ متواطئ، بصفقةٍ في فندق خمس نجوم، بينما دمُها لا يزال حارًّا على الإسفلت.
ما يحدث في الحالمة اليوم ليس تقصيرًا.. فالتقصير كلمةٌ مهذبةٌ لا تليق بحجم الجريمة. ما يحدث خيانةٌ مكتملة الأركان، وتواطؤٌ مكشوف، وخذلانٌ تاريخي ستكتبه الأجيال القادمة بمدادٍ من العار على جبين ما تُسمّى بـ"الشرعية".
وجهان لليمن.. جحيمٌ هنا.. ونعيمٌ هناك
في تعز، نستيقظ لنجد أنّ طابور الماء أطول من يومنا، وأنّ قذيفةً حوثيةً سقطت للتوّ على حارتنا فقتلت جارنا. ننام على أنين الجرحى، ونصحو على حصارٍ كاد يطبق على المدينة من كل حدبٍ وصوب، حصارٍ سيمنع عنّا الهواء قبل الغذاء.
وفي الجانب الآخر من المشهد، في الرياض والقاهرة وإسطنبول، يستيقظ مسؤول "الشرعية" في جناحه الفندقي المكيَّف. إفطارٌ فاخر، اجتماعٌ عبر "الزوم"، مؤتمرٌ صحفي يوزّع فيه الوطنية من خلف الشاشات، ثم جولةٌ في المول مع الأسرة الكريمة التي تعيش آمنةً مطمئنة، تتقاضى رواتبها بالدولار من دم هذا الشعب المذبوح.
بالله عليكم.. أيّ شرعيةٍ هذه؟ شرعيةٌ تُدير معركة الوطن عبر "الواتساب"؟ شرعيةٌ لم تطأ أقدام أبنائها تراب الوطن منذ سنوات؟ لقد تحوّلتم من قادة دولةٍ إلى سماسرة أزمة، تجّار حرب، هواة فنادق.
أنتم لا تمثّلون تعز، ولا تمثّلون اليمن. أنتم تمثّلون أنفسكم، وأرصدتكم، وعقاراتكم في الخارج. قبضتم ثمن صمتكم، وثمن بقاء تعز محاصَرة، وثمن كل قذيفةٍ تسقط على رؤوسنا. صمتكم لم يكن موقفًا، بل كان بضاعةً لها سعر، وفاتورتها تُدفع من أعمار أطفالنا.
تعز وحدها في مواجهة الإرهاب الحوثي
دعونا نقولها بلا تجميل: المواطن التعزي اليوم يقاتل وحيدًا.
يقاتل آلة القتل الحوثية التي تُمطر الأحياء السكنية بصواريخ الكاتيوشا وقذائف الهاون،. إرهابٌ ممنهج، قصفٌ يومي، قنصٌ للأطفال، وألغامٌ تُزرع في كل طريق.
ويقاتل في الوقت نفسه خذلان الشرعية التي تخلّت عنه. لا رواتب للجيش الحقيقي في الجبهات، لا دعم للجرحى الذين تُبتر أقدامهم ويُترَكون يموتون على أبواب المستشفيات، لا إغاثة، لا مشاريع، لا حتى كلمة عزاء.
أليس من العار؟ أليس من المخجل أن تكون تعز، التي قدّمت آلاف الشهداء، وكسرت أسطورة الحوثي يوم فرّ الجميع، هي اليوم المدينة المنسية؟ تُركت لتكون كبش فداءٍ لكي يستمر مسلسل الارتزاق في الخارج؟
ماذا تريدون من تعز أكثر؟ أن تموت بصمتٍ لكي لا تزعج نومكم في الفنادق؟
رسالتنا إلى الرياض.. ارفعوا الغطاء
ومن هنا، من قلب الوجع في تعز، نرسلها رسالةً واضحةً صريحةً إلى الأشقاء في المملكة العربية السعودية، قادة التحالف العربي.
يا أشقاءنا في المملكة.. أنتم تعلمون الحقيقة كما نعلمها، وتعلمون أنّ هذه الشرعية الفندقية هي مَن أعاقت تحرير اليمن، وهي مَن باعت تضحيات الرجال في الميدان.
نحن لا نطلب منكم مستحيلًا. نطالبكم اليوم بأن ترفعوا الغطاء عنهم.
نطالبكم بترحيل كل مسؤولي الشرعية المتواجدين على أراضيكم مع أسرهم، وإلزامهم بالعودة الفورية إلى داخل اليمن.
قولوا لهم: كفى ترفًا. عودوا إلى عدن، عودوا إلى مأرب، عودوا إلى تعز. عيشوا يومًا واحدًا بلا كهرباء، بلا ماء، بلا تكييف، تحت صوت القذائف. ذوقوا ما يذوقه المواطن التعزي المغلوب على أمره.
إنّ بقاءهم عندكم تشجيعٌ لهم على الاستمرار في الفساد والخيانة، ورسالةٌ للشعب اليمني بأنكم راضون عن هذا الأداء المزري. وإنّ عودتهم إلى الوطن أول خطوةٍ حقيقية نحو استعادة الدولة.
تعز لا تريد منكم بيانات شجبٍ وإدانةٍ للقصف الحوثي، فقد مَلِلنا البيانات. تعز تريد فعلًا. تريد أن ترى مَن يدّعي تمثيلها يشاركها جحيمها، لا أن يتاجر به.
كلمةٌ للتاريخ
ستبقى تعز.. ستبقى الحالمة عصيةً أبيةً شامخة، رغم حصار الحوثي، ورغم خذلان الشرعية. تعز لن تركع لميليشيا الكهنوت، ولن تموت بصمت الفنادق.
لكن التاريخ لن يرحم. ،التاريخ يسجّل الآن بالصوت والصورة.. يسجّل أسماء مَن صمد في الخندق، وأسماء مَن هرب إلى الفندق. يسجّل مَن باع، ومَن اشترى، ومَن قبض ثمن دماء الأبرياء.
وسيأتي يومٌ، قريبًا، يقف فيه المواطن البسيط ليحاكمكم جميعًا في محكمة الشعب التي لا تنسى.
وحسبنا الله ونعم الوكيل في كل مَن خذل تعز وباع دمها.
"واللهُ غالبٌ على أمره"
مكتب رئاسة الجمهورية Office of the Presidency of the Republic of Yemen
مجلس القيادة الرئاسي اليمني Yemeni Presidential Leadership Council
رئاسة مجلس الوزراء اليمني