آخر تحديث :الإثنين-25 مايو 2026-01:28ص

اليمن ومصر.. كيف أعاد باب المندب تشكيل الأمن العربي في البحر الأحمر

الإثنين - 25 مايو 2026 - الساعة 01:27 ص

أ.د.عبدالوهاب العوج
بقلم: أ.د.عبدالوهاب العوج
- ارشيف الكاتب


المتتبع للعلاقات المصرية اليمنية خلال السنوات الأخيرة يجد أنها تتجه نحو مرحلة جديدة تتجاوز البعد الدبلوماسي التقليدي، لتتحول تدريجياً إلى جزء من معادلة الأمن الإقليمي العربي المرتبط مباشرة بأمن البحر الأحمر، ومضيق باب المندب، وقناة السويس، و ومضيق هرمز و الخليج العربي، وكذلك الأمن الدولي لمنطقة القرن الإفريقي، وهو ما يجعل اللقاء الأخير بين وفدي البلدين في القاهرة يوم أمس الاحد ـ والذي يتزامن مع مراحل متعددة من التهديدات الإيرانية و تصعيد مليشيات الحوثي التابعة لها منذ حرب غزة وحتى الان والمتمثلة باستهدف ناقلات النفط و السفن التجارية.

هذه الدلالات الاستراتيجية تتجاوز البيانات البروتوكولية المعتادة، و

اللافت في هذا الحوار الاستراتيجي هو أن القاهرة لم تعد تنظر إلى الملف اليمني باعتباره أزمة داخلية يمنية فقط، بل باعتباره ملفاً متشابكاً مع الأمن القومي المصري، خصوصاً بعد التحولات التي شهدها البحر الأحمر منذ تصاعد الهجمات الحوثية على السفن التجارية وناقلات النفط، وما ترتب عليها من اضطراب الملاحة الدولية، وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين البحري، وتحويل العديد من الشركات العالمية مساراتها بعيداً عن البحر الأحمر وقناة السويس نحو طريق رأس الرجاء الصالح. وهذا الأمر انعكس بصورة مباشرة على الاقتصاد المصري وتراجع عائدات قناة السويس التي تمثل أحد أهم مصادر الدخل القومي لمصر، مما جعل استمرار الاضطراب في باب المندب مسألة وجودية للميزان التجاري المصري، وللقدرة المصرية على الحفاظ على تدفقات النقد الأجنبي وعلاقتها بالمؤسسات المالية الدولية، وفي مقدمتها صندوق النقد الدولي.

موقف القاهرة الرافض لـ"تدويل البحر الأحمر" أو إشراك قوى غير مشاطئة يحمل عدة رسائل سياسية وأمنية في آن واحد، أولها أن مصر تنظر بقلق إلى التمدد العسكري الدولي المتزايد في البحر الأحمر، سواء عبر التحالفات الغربية أو الوجود البحري متعدد الجنسيات، لأنها تخشى أن يؤدي ذلك إلى إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية بطريقة تقلص الدور المصري التقليدي في إدارة أمن الممرات البحرية.

كما أن هذا الموقف يعكس إدراكاً مصرياً متزايداً بأن الفراغ الأمني في اليمن، واستمرار سيطرة الحوثيين على أجزاء واسعة من الساحل الغربي، يفتح المجال أمام تدخلات إقليمية ودولية متزايدة، ويحول البحر الأحمر إلى ساحة تنافس دولي مفتوح، شبيه بما جرى في الخليج العربي وشرق المتوسط خلال العقود الماضية. وهنا يبرز السؤال الأصعب: ما هو البديل المصري العملي لضمان الأمن البحري دون تدويل؟ الإجابة تتوزع بين تفعيل آلية عربية مشتركة تحت مظلة جامعة الدول العربية، أو تنسيق بحري مع القوى الإفريقية المشاطئة مثل جيبوتي وإريتريا والصومال، أو الاعتماد على قدرات مصر البحرية الذاتية المدعومة بضمانات أمريكية غير مباشرة. هذا الملف لا يزال مفتوحاً، والمشاورات الحالية مع الجانب اليمني تبدو جزءاً من محاولة بلورة تصور إقليمي أكثر وضوحاً لإدارة أمن البحر الأحمر بعيداً عن الهيمنة الدولية المباشرة.

في المقابل، تحاول الحكومة اليمنية استثمار القلق المصري المتصاعد من تهديد الملاحة الدولية، من أجل إعادة ربط الملف اليمني بالأمن العربي، بعد سنوات جرى فيها التعامل مع الأزمة اليمنية باعتبارها حرباً داخلية معزولة. ولهذا ركز الجانب اليمني في الحوار على أن الحوثيين لا يهددون اليمن فقط، بل يهددون قناة السويس والتجارة العالمية وأمن الطاقة الإقليمي، خصوصاً مع استمرار استهداف السفن العابرة في البحر الأحمر وباب المندب، وما نتج عن ذلك من ارتفاع غير مسبوق في رسوم التأمين البحري على السفن المتجهة عبر المنطقة، وهو ما أدى إلى ارتفاع تكاليف النقل البحري العالمية، وانعكس بصورة مباشرة على أسعار السلع وسلاسل الإمداد الدولية.

من الناحية الاستراتيجية، يمكن قراءة التقارب المصري اليمني الحالي ضمن ثلاثة مستويات مترابطة.

المستوى الأول، أمني بحري، ويتعلق بمحاولة بناء تنسيق مصري يمني أوسع لتأمين باب المندب والسواحل اليمنية، خصوصاً أن مصر تدرك أن أي تهديد طويل الأمد في باب المندب يعني عملياً تهديداً مباشراً لقناة السويس، فالجغرافيا البحرية تربط المضيقين ضمن مسار ملاحي واحد، وأي اضطراب في الجنوب ينعكس فوراً على الشمال، سواء من حيث حركة التجارة أو أسعار الطاقة أو استقرار الأسواق البحرية العالمية.

المستوى الثاني، سياسي إقليمي، ويتمثل في رغبة القاهرة باستعادة حضورها في الملف اليمني بعد سنوات من التراجع النسبي مقارنة بالدور السعودي والإماراتي. فمصر تدرك أن مستقبل التوازنات في البحر الأحمر لن يُرسم فقط في الخليج العربي، بل أيضاً في صنعاء وعدن والحديدة والساحل الغربي والقرن الإفريقي، خصوصاً مع تصاعد التنافس الدولي على الموانئ وخطوط الطاقة والممرات البحرية.

أما المستوى الثالث، فهو مرتبط بمخاوف مشتركة من تمدد النفوذ الإيراني في المنطقة، وهذا القلق المصري لا يقتصر على اليمن فقط، بل يتسق أيضاً مع المخاوف من تنامي النفوذ الإيراني في سوريا والعراق ولبنان، مما يجعل البحر الأحمر الجبهة الجنوبية لمواجهة إقليمية أوسع، وليس ساحة معزولة عن بقية الصراعات في الشرق الأوسط. فالقاهرة تنظر بقلق إلى تحول الحوثيين إلى ذراع إقليمية مرتبطة بطهران، خصوصاً بعد استخدام البحر الأحمر كورقة ضغط جيوسياسية ضمن الصراع الإيراني الغربي والإيراني الإسرائيلي، ولهذا جاء الربط الواضح في تصريحات الجانب اليمني بين الحوثيين والتهديد الإيراني للأمن الإقليمي.

لكن رغم أهمية هذا التقارب، فإن مستقبل العلاقات المصرية اليمنية سيظل مرتبطاً بعدة عوامل معقدة، أبرزها قدرة الحكومة اليمنية على استعادة نفوذ فعلي على الأرض والسواحل، لأن أي شراكة أمنية بحرية ستظل محدودة ما دامت الدولة اليمنية نفسها تعاني من الانقسام وضعف السيطرة، إضافة إلى استمرار تعدد مراكز النفوذ العسكري والسياسي داخل الجغرافيا اليمنية.

كما يرتبط أيضاً بطبيعة الموقف السعودي والإماراتي من أي دور مصري متوسع في اليمن والبحر الأحمر، إضافة إلى مستقبل التهدئة أو التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران، لأن البحر الأحمر أصبح جزءاً من شبكة صراعات مترابطة تمتد من غزة إلى الخليج العربي مروراً باليمن، ولم يعد ممكناً فصل أمن الملاحة البحرية عن الصراعات الإقليمية الكبرى.

الرفض المصري لـ"عسكرة البحر الأحمر" لا يعني رفض التنسيق الأمني الدولي بشكل مطلق، بل يعكس محاولة مصرية للحفاظ على مبدأ أن تكون الدول المشاطئة هي صاحبة القرار الأساسي في أمن الممرات البحرية، خشية تحول المنطقة إلى نموذج مشابه للخليج العربي حيث أصبحت القوى الدولية لاعباً دائماً في المعادلة الأمنية، وهو ما قد يضعف مستقبلاً من هامش القرار العربي والإفريقي المستقل في إدارة البحر الأحمر.

وفي الوقت نفسه، تحاول القاهرة الموازنة بين عدة اعتبارات متناقضة، فهي تحتاج إلى حماية الملاحة الدولية وضمان استمرار التدفقات التجارية عبر قناة السويس، لكنها لا تريد الانخراط في مواجهة عسكرية مفتوحة في اليمن، كما لا ترغب في منح القوى الدولية مبرراً دائماً لتوسيع وجودها العسكري في البحر الأحمر، لما قد يترتب على ذلك من إعادة صياغة التوازنات الأمنية في المنطقة بصورة طويلة الأمد.

في ضوء ذلك، يمكن القول إن الحوار المصري اليمني الأخير يعكس بداية تشكل مقاربة عربية جديدة تجاه البحر الأحمر، تقوم على الربط بين استقرار اليمن وأمن الملاحة الدولية والأمن القومي العربي، بعد أن أثبتت التطورات الأخيرة أن أي انهيار أمني في اليمن لم يعد شأناً محلياً، بل تحول إلى تهديد مباشر للتجارة العالمية ولمعادلات النفوذ الإقليمي، وللاقتصادات المرتبطة بحركة الملاحة البحرية، وفي مقدمتها الاقتصاد المصري وقناة السويس.

أكاديمي ومحلل سياسي يمني

جامعة تعز