آخر تحديث :الخميس-18 يوليه 2024-04:56ص

هل الحرب ضرورة حتمية أم يمكن تجاوزها؟!

الثلاثاء - 25 يونيو 2024 - الساعة 01:59 ص

د. قاسم المحبشي
بقلم: د. قاسم المحبشي
- ارشيف الكاتب


هل الحرب ضرورة حتمية أم يمكن تجاوزها؟!
فيما يشبه التمهيد لحلقة فلك الممنوع

يقول المستشرق لجرنز وويل «كم ألفاً من السنين بقيت هذه الحالة من الوجود (أي كون العرب يعيشون في (حالة حرب) دائمة سيخبرنا أولئك الذي سيقرأون أقدم سجلات الصحراء الداخلية، ذلك أنها تعود إلى أولهم لكن العربي عبر القرون كلها لم يستفيد حكمة من التجربة، فهو غير آمن أبداً ومع ذلك فإنه يتصرف وكأن السلم والأمان خبزه اليومي؟( ينظر، ادوارد سعيد، الاستشراق؛ المعرفة، السلطة، الإنشاء، ترجمة، كمال ابو ديب، مؤسسة الأبحاث العربية، بيروت، 1980، ص120) استوقفتني تلك العبارة بشأن تاريخ الحرب والسلم عند العرب منذ أن قرأتها في منتصف ثمانينيات القرن الماضي وربما كان ذلك بعد الحرب الأهلية الموجعة التي شهدتها مدينة عدن عام 1986م وعشت تفاصيلها المربعة وانا في سنة ثالثة جامعة.
طبعا لم تكن تلك هي الحرب الوحيدة التي عشتها في بلادي بل ربما كانت حلقة واحدة من حلقات سلسلة الحروب المستمرة التي لا تُعد ولا تحصى وأخرها هذه التي نعيشها من 2015م ولازالت متقدة☠️. فأنا من مواليد سنة القنابل! هكذا كانت أمي، رقية بنت شيخ بن علي المحبشي، رحمة الله عليها تحدثني عن تاريخ ميلادي إذ تذكرت أنها حملتني في تلك السنة التي القت بريطانيا العظمى بقنابلها من الجو على قرى الفدائيين في وادي يهر بيافع وكان نصيب قريتنا؛ قرية القود لعسر، قنبلة كبيرة ؛ ألقتها على أخصب جيزة لأشجار البن ( جيزة بن سبعة) مازل أثرها محفورا في جسد جبل شمسان الحاضن للجيزة مثل الجرح الدامي حتى الآن. حدثتني أمي الحانية باني أبي عبد عوض المحبشي رحمة الله عليه حفر في ذلك العام ملجأ آمنا في قلب الجبل الخاص بقربتنا ( بغدة) اشبه بالكهف الصغير يتسع لافراد عائلتنا الصغيرة حينها أمي وابي واخواتي وخواتي الخمسة وأنا ما زلت في آمن مكان يحله جنين الإنسان بطن أمي. نعم ولدت زمن حرب التحرير من الاستعمار الإنجليزي في عدن وحرب حصار صنعاء وعشنا وشفنا سلسلة مهولة من الحروب الأهلية الصغير والكبيرة منها أول حرب بين الجبهتين القومية والتحرير بعد خروج الإنجليز من عدن بعام واحد فقط ثم عام 1968، ثم حرب العنف الثوري المنظم وحرب الخطوة التصحيحية وليلة السكاكين الطويلة عام 1969م ثم حرب الثورة الفلاحية والتأميم ثم حرب الحدود بين دوليتي عدن وصنعاء عام 1972م ثم الحرب الأهلية في عدن التي أغتيل فيها رئيس الجمهورية في الجنوب سالمين ورئيس جمهورية الشمال الحمدي والغشمي وما تلاها من حرب بين الجمهوريتين؛ اليمن الديمقراطية والعربية اليمنية عام 1978م ثم الحرب الأهلية في 13يناير1986م وهي اشدها فتكا وأثرا في نفسي إذ كنت حينها في سنة ثالثة بقسم الفلسفة بكلية التربية العليا عدن وأسكن في القسم الداخلي بخور مكسر وعشت في تفاصيل تلك الحرب المجنونة التي تركت آثارا غائرة في النفس والذاكرة فضلا عن أثرها الكارثي على صعيد الوطني والاجتماعي ليس من أغراض هذه المقالة. بعد تلك الكارثة التي فقدت فيها زملاء وأصدقاء اعزاء تغير كل شيء في حياتي فاخذت ابعث في معنى الحرب ومسبباتها إذ قرأت كتب كثيرة منها؛ كتاب الأمير ل نوقولا ميكافيللي ومقدمة ابن خلدون وكتاب عُسر الحضارة ل سيجموند فرويد وكتاب كارل فون كلاوزفيتز عن الحرب وكتاب فن الحرب الصيني صن تزو وكتاب الحرب والحضارة لِ توينبي وغيرها. من بين عوامل كثيرة آخرى كانت الحروب التي عشتها وشاهدت نتائجها دافعا قويا لي للبحث في الفلسفة الوجودية التي درستها على يدي الدكتور أحمد نسيم برقاوي في السنة التحضيرية للماجستير عام 1992م. كانت جرعة المعرفة الفلسفية البرقاوية اشبه بقدح زناد الذهن والروح. كانت لحظة معرفية قصيرة لكنها بالقياس إلى كل ما كنت قد تعلمته طوال المراحل الدراسية السابقة تعد الأجود والأجمل والأفيد. إذ فتّح ذهني على وقعنا الذي يحيط به الموت والتهديد والضياع من كل الجهات. كنت حينما استمع اليه وهو يتحدث قلق الوجود والحرية والأخيار في الفلسفة الوجودية اسرح بخيالي في عالم شديد التهديد والخوف الوجودي مما يجعلني اعيش الوجودية بكل تفاصيلها. كان وقع حياتنا وجوديا بامتياز فالموت يحوم فوق رؤوس الجميع. منذ تلك الأيام وانا احفظ أبيات الشاعر الجاهلي زهير بن إبي سلمى:

وَما الحَربُ إِلّا ما عَلِمتُم وَذُقتُمُ
وَما هُوَ عَنها بِالحَديثِ المُرَجَّمِ
مَتى تَبعَثوها تَبعَثوها ذَميمَةً
وَتَضرَ إِذا ضَرَّيتُموها فَتَضرَمِ
فَتَعرُكُّمُ عَركَ الرَحى بِثِفالِها
وَتَلقَح كِشافاً ثُمَّ تَحمِل فَتُتئِمِ
فَتُنتَج لَكُم غِلمانَ أَشأَمَ كُلُّهُم
كَأَحمَرِ حاشد ثُمَّ تُرضِع فَتَفطِمِ

قالها قبل 1400 عاما ولا زالت تحتفظ بكل معناها الدقيق في توصيف تلك الظاهرة الاجتماعية التاريخية البشرية بدقة متناهية. فما هي الحرب؟ حرب، حربة، حرابة، محاربة، من الكلمات التي يرددها الناس كل يوم في حياتهم بمعاني ودلالات مختلفة؛ حرب استنزاف، حرب تقليدية، حرب نووية، حرب ظالمة ، حرب بيولوجية ، حرب بارد، حرب مقدسة ، حرب أهلية حرب عالمية ، حرب تحرير، حرب، عادلة، حروب الموجة الثالثة؟ حرب خاطفة؟ حرب طويلة، حرب مدن ، حرب إعلامي،حرب شاملة، حرب عصابات ، حرب برية، حرب جوية ، حرب بحرية بمعنى الحد القاطع أو رأس الرمح، ومنها اشتقت كلمة حرابة بمعنى قطع الطريق ونهب العابرون فيها. وتعد الحرب من أخطر الاجتماعية التي رافقت حياة الإنسان منذ أقدم العصور وهي اعنف أنماط التفاعل والانفعال بين الفاعلين الاجتماعية. الحيونات لا تحارب أبدا.

الحرب قوة تدميرية:

في حقيقة الأمر يمكن النظر إلى الحرب بوصفها نوع من أنواع القوة البشرية، إذ تأملت تاريخ العالم فوجدت أن كل شيء مرهون بالقوة؛ قوة الحياة بمعنى القدرة على النماء والحركة والتطور وقوة الفكر بمعنى القدرة على الإدراك والفهم والتخيل والتنبؤ وبين القوة والعجز يدور التاريخ وقواه ولكل كائن في هذا الكون تاريخ واحد هو تاريخه الطبيعي الذي هو طبعة ونظام سلوكه وقواعده وقانونه؛ الحفاظ على البقاء ومقاومة الفناء لكن للإنسان تاريخين: " تاريخ طبيعي يشارك به جميع الكائنات الطبيعية وتاريخ وضعي يضعه لنفسه ويضع فيه العلوم والآداب والفنون والسياسة والأخلاق والتشريع والزراعة والصناعة والعمارة.ولا يكون التاريخ إلا حركة وصراع وتكيف بالتطور وتطور بالتكيف ورد فعل واتخاذ موقف في مواقع محمية وتبرير المواقف وتحصين المواقع بما يحقق القوة والحماية والعافية والآمن والآمان ولا يكون التاريخ إلى مجمل تاريخ صراع الإنسان ومواقفه إزاء الطبيعة الذي هو قصة تطوره الذي هو قصة تكيفه الذي هو رد فعل الإنسان ومواقفه إزاء الطبيعة بما فيها طبيعته هو التي هي أشد الطبائع عناداً وتمرداً على التطويع واستغلاقاً على الفهم والتاريخ تاريخان :تاريخ الضرورة والواقع والحياة وهو التاريخ الفعلي الذي يدور حول محول التجارة والحرب والاحتكار وتلك حقيقة لا خير ولا شر ولا جبر ولا اختيار، بل سنة من سنن الله سبحانه وتعالى وحقيقة من حقائق التاريخ فيه فقراء ضعفاء مغلوبون مقهورون يخدمون أغنياء أقوياء غالبين قاهرين في السلم ويدافعون عنهم في الحرب. وتاريخ متخيل: تاريخ الحلم والأمل والرجاء والمثال الذي نريده ونتمناه ونحلم به يدور حول محور العمل للإنتاج واللعب للابتهاج والاكتفاء بالذات والاستغناء عن الغير والعدل والخير والجمال للجميع.
ثمة من يحاجج بإن الحرب ضرورة تاريخية وإن تاريخ الإنسان هو تاريخ تدافع وصراع وقتال وإنا الله تعالى ذاته قد شرع الحرب بقوله (لولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض) بل يذهب بعض انصار حتمية الحرب إلى أنها متأصلة بالطبيعية البشرية بصفتها خاصية بيولوجية للكائن الإنساني الذي هو بطبيعته أناني عدواني.

هل للإنسان مستقبل
لقد كان السؤال الذي أقلق معظم المفكرين والعلماء الأحرار هو: هل يستطيع الإنسان العلمي البقاء؟ وما هي الشروط التي يمكن تحقيقها إذا ما أراد البشر الاستمرار على العيش زمناً طويلاً؟ تلك هي المشكلة التي لخصها برتراند رسل في كتابه (هل للإنسان مستقبل) 1969م إذ أوضح "انه فيما يتعلق بالشروط الجدسية لا يلوح ان ثمة سبباً كافياً يمنع الحياة بما في ذلك الحياة الإنسانية ألا تستمر ملايين السنين. لكن الخطر يأتي ليس من وسط الإنسان البيولوجي وإنما من ذاته"لقد عاش الإنسان في وضع يسوده الجهل والتوحش، فهل يستطيع الاستمرار على البقاء الآن بعد أن فقد درجة الجهل المفيدة وإذا كان خوف الإنسان الغربي من خطر الحرب النووية قد خفت سعيره في السنوات الماضية فها هو اليوم يعاود الحضور بصورة مرعبة من قلب العالم الصناعي، فضلا عن أن مصادر القلق والخوف والتشاؤم قائمة اليوم في مظاهر عديدة، منها الخوف من فيروس كورونا كوفيد-١٩ والخوف من التلوث البيئي، الخوف من أن يؤدي هذا التمركز للعالم في مدينة كونية واحدة، عبر هذا الحضور الطاغي للعالم المنقول بسرعة الموجات الكهرومغناطيسية إلى نوع من الانحباس والاستلاب للشخصية الإنسانية في العالم المتحول الى شبه مقصورة هاتف... وهذا ما يسمه (فيريليو بـ تلوث المسافات وسيناريو تدمير ألذات) وماذا لو تهور رئيس كوريا الشمالية وضغط على زناد الصاروخ النووي؟ العالم على كف عفريت مسلح! قال المنور الفرنسي مونتسكيو في أواخر أيامه قبل أربعة قرون "أنني أرتعد فرقا مما سوف يسفر عنه التقدم التقني في المستقبل" وهذا ما تحقق فعلا في القرن العشرين إذ أدّت التكنولوجيا إلى زيادة مهولة بضحايا الحروب لاتقارن أبدا بما كان قبلها.كتب أستاذ علم النفس والمحاضر في جامعة "ليدز بيكيت قائلا" حينما ننظر إلى تاريخ الحروب، سنجد أنه كلما مر الوقت ازداد عدد القتلى بجنون، فمثلا تسببت الحروب التي نشبت بين عامي 1740 و1897 في قتل 30 مليون شخص، في حين تتراوح نسبة القتلى في الحرب العالمية الأولى ما بين 5 ملايين إلى 13 مليون شخص، أما الحرب العالمية الثانية فتجاوزت كل هذه الأرقام لتحصد أرواح 50 مليون شخص (ومنذ ذلك الحين، انخفض عدد الوفيات الناجمة عن الحروب انخفاضا كبيرا لأسباب سنشرحها لاحقا)" ( ينظر، سمية زاهر، سيكولوجية الحرب 2022م)؟
ربما ساعد الرعب النووي الراهن في العالم على اعادة التفكير بالحرب على نحو جذري بوصفها ظاهرة يمكن تجاوزها ووضع حلول ناجعة لأسبابها. فكما تمكنت العدد من دول العالم المتحضر من وضع حد للحروب الأهلية والدينية لاسيما في دول اوروبا الغربية فلماذا لا يتم التفكير بتجاوز الحروب السياسية بين الدول القائمة اليوم وهذا ما يعيد النظر والتفكير بمشروع السلام الدائم للفيلسوف الألماني أيمانويل كانط إذ إن مشروع السلام الدائم الذي طرحه قبل 250 عاما بات ملحا في عالم أضحى بفضل ثورة المعلومات والاتصال شديد التقارب والتداخل والتفاعل بعد انكماش الزمان والمكان وصيرورة العالم قرية كونية صغيرة يتشارك سكانها كل حوادثها واحداثه واخبارها وخيراتها وشرورها إذ يمكن للناس أن يتبادوا تحية الصباح كل يوم من طرف الأرض إلى طرفها بل يمكنهم أن يتحاوروا ويتخاصموا ويتقاتلوا في أي لحظة كما يحدث في القرية الصغيرة في أقصى الريف فالعولمة إذن هي العالم وقد أصبح قرية صغيرة يعرف أهلها عنها كلَّ شاردة وواردة ، كل صغيرة وكبيرة. وكلما زاد ارتباط الناس ببعضهم البعض كلما زادت حاجتهم لقيم التسامح والتعايش والحوار إذ إن خطاب التسامح والتقبل والحوار تستدعيه الحاجة والرغبة المشتركة للبحث في أفضل السبل الممكنة والآمنة للعيش والتعايش الاجتماعي السياسي المشترك لجميع الناس في بيئة اجتماعية وسياسية وثقافية واقتصادية وأخلاقية ونفسية عالمية منظمة ومستقرة وأمنة. ولسنا بحاجة إلى التذكير بمدى احتياج مجتمعاتنا العربية الإسلامية إلى قيم التعايش والتسامح والقبول والتقبل المتبادل لاسيما بعد أن شهدت تاريخ طويل من النزاعات الدموية والحروب الكارثة.وعلى مدى السنوات الماضية استقطبت ظاهرة التقارب والاحتكاك والتصادم بين الشعوب والحضارات والثقافات والإفراد، وما صاحبها من شيوع وانتشار لقيم العنف والتعصب والإرهاب على الصعيد العالمي اهتمام عدد واسع من الدارسين والكتاب والهيئات وأخذت الدوائر الأكاديمية والثقافية تعقد المؤتمرات والندوات والنقاشات في كل البلدان، بشأن قضايا العولمة وحوار الحضارات والثقافات والاديان والتحديات التي تواجه الإسلام والشعوب الإسلام في ظل التحولات العالمية الراهنة والمستقبلية وسبل موجهتها. إذ افرزت العولمة وتحولاتها الراهنة أنماطا جديدة من الظواهر والمشكلات الإنسانية والاجتماعية، وسرعة تحولها إلى مشكلات عالمية، كمشكلة سباق التسلح والحروب والأمن والسلام الدوليين، ومشكلات البيئة العالمية والأوزون، ومشكلات التجارة العالمية والأزمات الاقتصادية وصدام الحضارات والاديان والتطرف والإرهاب، ومشاكل المال والأعمال العابرة للقارات. ومشكلات الإعلام الجديد والشبكات الاجتماعية ومشاكل الفقر والصحة والمرض، ومشاكل الهويات والتعددية الثقافية، والأقليات والتمييز والتعصب والاستبعاد الاجتماعي، والهجرة غير الشرعية والاندماج، والمخدرات والبطالة والفقر والحركات الاجتماعية، والمرأة والطفل والشباب، وكل ما يتصل بحقوق الإنسان، ومشاكل السياسة والنظم السياسية والعدالة والحرية والديمقراطية والمجتمع المدني. والمشكلات الأخلاقية للعلم؛ كالاستنساخ، وزراعة الأعضاء، ومنع الحمل، ومشاكل الفضاء السيبرنيتي والأقمار الاصطناعية والوسائط الإعلامية والتواصلية ومشاكل التربية والتعليم والجودة والاعتماد الأكاديمي وأخرها فيروس كورونا كوفيد ١٩ إذ لم يحدث في التاريخ الاجتماعي للإنسان منذ حواء و آدم وأنت طالع أن توحد العالم كله كما وحده فيروس كورونا. كل تلك المتغيرات والتحولات التي طالت كل مناحي الحياة الإنسانية والاجتماعية للعالم الراهن لا ريب وإنها قد أثرت على الشعوب والدول والثقافة الإسلامية ومن ثم فمن المهم على الفاعلين العالمين والمسلمين التصدي لها بإيجابية ووضعها موضع اهتماماتهم البحثية. والسؤال هو كيف يمكن الشعوب والدول والثقافات والاديان أن تتعايش في عالم شديد التقارب والتفاعل والاحتكاك؟
ختاما: يمكن القول أن الحرب هي نقيض الحضارة والتحضر وتلك هي وجهة نظري وقناعتي التي كتبتها في زمن مضي هاكم خلاصتها:

لا فرق بين البشر والحيوانات إلا بقدرة البشر استخدام اللغة والتفكير واستخدام الحواس لمعرفة العالم وفهم قوانينه والسيطرة عليها وتسخيرها لمصلحة الناس والقدرة على بناء المؤسسات التي تأطر حياتهم وتنظمها بالأخلاق والاعراف والقوانين. وهذا هو معنى الحضارة بوصفها قوة تنظيمية في التاريخ تشتمل على السياسية والتشريع والأخلاق والمجتمعات التي عجزت عن بناء مؤسسات قوية ومستقرة لا تختلف عن الحيونات التي تجوب البراري بحثا عن الماء والكلأ في سلوكها الفوضوي وقد أحتاجت الإنسانية ملايين السنين للانتقال من الحالة البدائية للعيش في كنف الطبيعة ومواردها المتاحة والانتقال من الصيد والرعي والبداوة إلى الزراعة والتمدن والحضارة وسادت الحضارة الزراعية من عشرة إلى ثمانية ألف سنة حتى القرن السابع عشر الميلاد ميلاد الحضارة الصناعية التي سادت أربعة قرون فقط لتنتقل إلى الحضارة الجديدة حضارة الثورة المعلوماتية وسيادة المعرفة بوصفها اهم موادة القوة والثروة والصراع الجوهري في القرن الحادي والعشرين منذ منتصف القرن الماضي. وقد ارتبطت كلمة الحضارة «civlisation» بكلمة أخرى تتصل بها اتصالاً قوياً هي ثقافة «culture»، التي ظهرت في الفرنسية بمعناها الدقيق في القرن الثالث عشر، وفي القرن الرابع عشر ظهرت كلمات مثقف «cultinateur»، زارع ومزارع «Agriculteun»، ولكنها لم تكتسب معناها المجازي بصفتها معرفةً وتربيةً وعلماً إلا في القرن الخامس عشر، وكما سبقت كلمة مثقف كلمة ثقافة، فإن كلمة متمدن أو حضري «Civiliaes»، وأيضاً مهذب، سبقت كلمة حضارة، وعلى الرغم من الخلط الملتبس بين الكلمتين «حضارة» و»ثقافة» في الأدب الحديث والمعاصر منذ أن عرَّف عالم الأنتربولوجيا الإنجليزي إدوارد بيرونت تيلور في كتابه «الثقافة الابتدائية» الثقافة بأنها «كل معقد يشتمل على المعرفة والعقائد والفنون والخبرات التي اكتسبها الإنسان بوصفة عضواً في مجتمع»، منذ ذلك الحين والجدل لايزال مستعراً بشأنهما. ويذهب رولان بريتون في كتابه «جغرافيا الحضارات» إلى أن «كلمة الحضارة civlisation ظهرت سنة 1734م، وهي تنحدر مباشرة من صفة حضري المشتقة من اللاتينية مثل civilite، وcite مدينة – حاضرة». إذاً فمنذ البداية ارتبط مفهوم الانتماء إلى المدنية بجماعة منظمة، تمثل الدولة المدنية، أو تقوم مقامها دلالياً بمعنى التهذيب والتحضر، ومن هنا جاء معنى الكلمة اليونانية «polis» مدينة – حاضرة دولة، ومنها اشتقت الكلمة اللاتينية «politus» صيغة فعل «polin» هذَّبَ، مدَّنَ، وكلمة «politesse» التي مزجت وعدَّلت وميَّزت شيئاً فشيئاً بين مفاهيم التهذيب واللياقة وحُسن الأداء، ومفاهيم النظام العام والدولة والمدنية والحاضرة.وأخيراً وُلِدَت كلمة «civilisation» حضارة من فعل «civilisen» حضر، وهي ترسم في أسرة الكلمات المتحدرة من كلمة «cite» حاضرة، معالم اشتقاقية تدور حول مفاهيم التربية «education» والترقي والتطور والتقدم والحالة المتقدمة المتفوقة، فالحضارة هي أولاً «فعل تحضير»، ومسار تصاعدي وتقدمي، يرمي من خلال التغيير إلى احتواء وإدماج أولئك الذين يظلون خارجها في البراري والأرياف والغابات، «المتوحشون البريون salvaticus»، ثم إن الحضارة هي جملة الصفات المكتسبة خارج الطبيعية، وهي أخيراً مجموع الظواهر المميزة للحياة في هذا العالم الخاص المتطور الذي بناه الإنسان المدني. وربما كان المجمع الفرنسي في معجمه المنشور عام 1933م قد أسدى خيراً عندما عرَّف كلمة الثقافة تمييزاً لها عن الحضارة بالآتي: إن كلمة ثقافة تطلق مجازاً على الجهد المبذول في سبيل تحسين العلوم والفنون وتنمية المواهب الفكرية ومواهب العقل والذكاء. وهذا هو المعنى الذي قصدناه بقولنا إن الثقافة هي القوة الإبداعية في التاريخ، وهي كل ما نشهده من تطور دائم مستمر في العلم والفن والأدب. ما يهمنا هنا هو التأكيد على أن الحضارة من حيث المفهوم والسياق التاريخي تتميز عن مفهومَي الثقافة والمدنية لكونها تتصل اتصالاً لازماً بشكل التنظيم السياسي والقانوني والأخلاقي للمجتمع، إنها تعني العيش في مجتمع سياسي منظم بالدستور والقانون والضمير الأخلاقي، فكلما كان التنظيم الاجتماعي خاضعاً للقانون كلما كان أكثر تحضراً، وقد بدأت الحضارات في التاريخ بوجود الدولة الإمبراطورية في الشرق القديم، ويذهب أرنولد توينبي إلى أن الحضارة هي الوحدة الأساسية في دراسته للتاريخ إذ إن كلمة حضارة عنده ارتبطت بقدرة المجتمع على تنظيم نفسه سياسياً واجتماعياً وثقافياً في دول كبيرة، وعنده أن إفريقياً السوداء بهذا المعنى عرفت ثقافات، ولكنها لم تعرف حضارات. وعلى هذا النحو يمكن القول إن الحضارة والثقافة والمدنية، هي قوى وعناصر التاريخ، وما عناصر التاريخ إلا وسائله وأسبابه وغاياته وقواه التي يتطور بها صاعداً في معارج التقدم والتطور والارتقاء، وهي: الثقافة علماً وأدباً وفناً: هي القوة الإبداعية في التاريخ، والتطور الدائم المستمر في العلم والأدب والفن. والحضارة: سياسةً وأخلاقاً وتشريعاً: هي قوة التاريخ التنظيمية، والتطور الدائم المستمر في السياسة والأخلاق والتشريع والمدنية: زراعةً وصناعةً وعمارةً: هي قوة التاريخ المادية السلعية والتطور الدائم المستمر في الزراعة والصناعة والعمارة والتعدين والتدجين. ولا يكون التاريخ بهذا التعريف إلا مجمل خبرات الإنسان في الثقافة، والحضارة، والمدنية، وهي عناصر التاريخ التي منها يتكوَّن، ومنها لا من غيرها يستمد قواه الفاعلة في جميع ظروف الزمان والمكان والحركة والفعل ورد الفعل والتطور والتكيف واتخاذ الموقف، وهذا ما استخلصه المفكر العربي الراحل مدني صالح. وحينما نقرأ كتاب الأمريكي جيمس هنري بريستيد فجر الضمير يمكننا أن نفهم معنى الحضارة والتحضر والمؤسسات إذ يرى المؤلف أن نهوض الإنسان إلى المثل الاجتماعية قد حدث قبل أن يبدأ ما يسميه رجال اللاهوت بعصر الوحي بزمن طويل «ويقول المؤلف إن ذلك النهوض الحضاري في وادي النيل يرجع قبل «عصر وحي رجال اللاهوت» بألفي سنة على الأقل وأكد بريستيد أن المصريين القدماء سعوا إلى وضع مجموعة من القيم والمبادئ التى تحكم إطار حياتهم، تلك القيم التى سبقت «الوصايا العشر» بنحو ألف عام، وقد تجلى حرص المصرى القديم على إبراز أهمية القيم فى المظاهر الحياتية، فكان أهم ما فى وصية الأب قبل وفاته الجانب الأخلاقى، حيث نجد الكثير من الحكماء والفراعنة يوصون أبناءهم بالعدل والتقوى. كذلك كانوا يحرصون على توضيح خلود تلك القيم فى عالم الموت. لذا نحتوا على جدران مقابرهم رمز إلهة العدل «ماعت» ليتذكروا أن العمل باقٍ معهم.
وهكذا كانت الحضارة ومعناها هي النظام العام الذي يحفظ ويصون حقوق الإنسان الأساسية؛ حق الحياة والعمل والحرية والفكر والاعتقاد والتعبير في إطار القانون سيد الجميع.