آخر تحديث :الخميس-18 يوليه 2024-04:56ص

طواحين هواء .. الجمود المستديم والحاجة إلى التغيير

الجمعة - 21 يونيو 2024 - الساعة 10:39 م

د. قاسم المحبشي
بقلم: د. قاسم المحبشي
- ارشيف الكاتب


في المجتمع العربي الإسلامي التاريخ يسير في منحنى دائري حول ذات المحور والنقطة وليس خطيا إذ  لم يحديث أي تغيير يذكر في البنية الباراديغم الثقافي الذي ظهر في القرن السابع الميلادي مازالت البنية ذاتها بكل حذافيرها فلا حداثة ولا تحديث ولا علمانية ولا تنوير ولا ماركسية ولا بطيخ! قاعدين نغالط انفسنا بالمعارك الوهمية ؛ صراع طواحين ! العالم كله تغير من حولنا ونحن نحجرنا عند الصفر الاكتشاف الرياض الوحيد للعرب كما جاء بالأثر! وكلما تكلم شخص عن الت جدغيير والتجديد والتحديث قامت قبامة أهل الكهف ولم تقعد! ومع ذلك تظل الحاجة إلى التغيير والتجديد حاجة حيوية وسنة طبيعية من سنن الحياة والتاريخ والزمان والمكان وحينما ينام المرء بمعدة فارغة تكون الأحلام جميلة وهادئة أما إذا كانت معدته ممتلئة فالكوابيس هي التي تتطلع منها باستمرار  وهكذا هو التاريخ الاجتماعي والسياسي للشعوب الراكدة يشبه المعدة الحية التي تتراكم فيها أحداث الماضية في طبقات رسوبية مُوحلة وتنشر سمومها في مختلف مجلات حياتها الحاضرة ومجاريها. فالتاريخ الذي لم يمضغ جيدا ويهضم جيدا ولم يفلتر ماضيه ويقتل بالبحث والدراسة والنقد والتطهير والتجديد والتغيير والتجاوز المستمر هو اخطر السموم التي تكبل حركة الشعوب وتعيق تقدمها لاسيما إذا كانت تقدسه . والتاريخ هو ما حدث في ما مضى وتم وانقضى ويستحيل استرجاعه ولا شيء يخرج من داخله ولا شيء يأتي اليه من خارجه. إذ هو دائما فاعلية الأحياء الناس الساعيين لتدبير حاضرهم وتجاوز ماضيهم وحينما يكون الحاضر مشبعا بالحيوية والنشاط والفعل والفاعلية والفرح والإنجاز ينسى الناس الماضي بكل عجره وبجره ولم يعد يخطر على بالهم ابدا إذ يكون حاضرهم الزاخر بالحياة المفعمة بالانجاز والسعادة ومستقبلهم الواعد بالتجاوز الخلاق هو الذي يشد إهتمامهم؛ نقصد تلك الحياة التي نمنحها تسعة أعشار وقتنا، الذي نعيشه في عالمنا الواقعي المعيشي الفوري، بلا ماض ولا مستقبل، عالم اللحظة الحاضرة الراهنة المباشرة، عالم الحياة، وتدفقها بـ «ملموسيتها»، وكليتها، أي الحياة اليومية البسيطة المملوءة بالانشغالات الروتينية، والمتطلبات المعيشية الملحَّة الصغيرة، والروتينية، التي تستغرق الكائن الاجتماعي الساعي إلى إشباع حاجاته بمختلف الوسائل والسبل والحيل، والتقنيات، والعادات والتقاليد، والأساليب والصراعات، والرهانات والتفاعلات، والنجاحات والإخفاقات، والمكاسب، وكل أنماط العلاقات والممارسات اليومية، التي ننهمك فيها وتشكِّل فعلاً عصب الجسد الاجتماعي برمَّته، أي الحياة بلا مزايا، التي يسمِّيها عالم الاجتماع جلير دوران بـ «الجو الخانق» أما إذ عجز حاضرهم الفوري المباشر عن إشباع لحظتهم المعاشة وجعلها جديرة بالحياة والحلم والأمل فالماضي هو الذي يعاود الحضور باستمرار بوصفه بديلا استيهاميا تبريريا لا يغني ولا يشبع من جوع. أننا نعيش التاريخ كما تعيش الأسماك في الماء وليس بمقدورنا الخروج منه أو مغالطة استحقاقاته الفورية المباشرة فأما أن نستجيب إلى تحدياته ونتدّبر أمرنا في حاضره تجاوزه وأما سحقنا بعجلاته وتجاوزنا بقطاره الدائم الحركة. والتاريخ بهذا المعنى هو أخطر كيمياء اخترعها العقل الجمعي إذ تسكره وتشل حركته فيما تمنحه من أوهام مخدرة عن الماضي وبطولاته التي يستحيل استرجاعها الا بالأوهام القاتلة. والفكرة الميتة الآتية من خارج الحياة والتاريخ الزاخر بالحاضر الحي المباشر بحسب كروتشة تعجز عن أنجاب حتى فكرة موتها وفي ذلك تكمن خطورتها وتتعين قوة قهرها. فما الذي يجعل الإنسان في أي زمان ومكان يعاود الحنين إلى الماضي الجميل؛ أنه ببساطة بؤس الحاضر وأنسداد أفق المستقبل. ومن السذاجة الطفولية الاعتقاد بأن رغبة الناس في استعادة ماضيهم هي حالة فطرية طبيعية وربما يعود سبب ذلك الاعتقاد الزائف في الثقافة العربية الإسلامية إلى العجز الطويل عن إنجاب حالة حضارية حديثة وجديدة تجعلهم ينسون ماضيهم وينهمكون في صناعة حاضرهم ويتطلعون ويخططون إلى بناء مستقبلهم الأفضل باستمرار فالمستقبل لا الماضي هو الجدير بالأهمية والقيمة والاعتبار في نظر وحياة كل الأجيال في كل زمان ومكان، وهذا أمر مرهون بالتاريخ وممكناته وليس بالإنسان ورغباته. صحيح القول: أن الناس يصنعون تاريخهم بانفسهم ولكنهم لا يصنعونه على هواهم بل في ظل الشروط التاريخية المعطاه لهم سلفا من ماضيهم فالاموات يتشبثون برقاب الأحياء. والتاريخ دائما وابدا هو أمام الناس لا خلفهم. الجمود والتكرار والرتابة مملة جدا  والملل حالة شعورية إنسانية وربما حيوانية أيضا
ومبعثها الروتين المكرر باستمرار في الحياة والتاريخ والسلوك والمواقف والأفكار حيث يسود الجمود والثبات والسكون والاستجرار فلا ماضي يمر ولا حاضر يتحرك ولا مستقبل يُستشرف وهذا بعكس طبيعة الأشياء بوصفها حركة الكون والحياة والتاريخ بالتغيير والنمو والتجاوز والاستئناف فليس بمقدور المرء أن يستحم في مياه النهر مرتين الا إذا كان التاريخ بركة آسنة! وعلى المرء أن يقوم بردة فعل كي لا يموت من القرف واليأس هو ركة القدم الأخير التي يمكن تقديمها للبؤس. وما أضيق العيش لولا فسحة الأمل! ودمتم بخير وسلام.